بوابة إقليم أزيلال - المغرب: المخزن الذي كان...ولا يزال!

الرئيسية | مواقف وأراء | المغرب: المخزن الذي كان...ولا يزال!

المغرب: المخزن الذي كان...ولا يزال!

المغرب: المخزن الذي كان...ولا يزال!

 

انهمك البحاثون في شتى العلوم الاجتماعية، المحليون منهم والأجانب، على الجواب عن سؤال استبد بهم لأجل طويل مفاده، هل المغرب مجتمع دولة أم مجتمع اللادولة؟ في إشارة إلى العقلانية  والفوضى أو ما يقوم مقامهما من تعابير تختلف فقط حسب التخصصات. بالطبع لن يكون منطلقنا ههنا هو التجذير للجواب وفي ذلك توجه تاريخي بالمعنى الذي يفيد الفحص لا الذي يفيد القص، بل سنحاول، اعتبارا للحال والمقام، المزج بين تفرعات وجهات شتى سنستعين بها فقط للتعبير عما فهمناه ليس فقط من قراءات ولكن أيضا من مشاهدات وملاحظات حول الدولة المخزنية.

نشدد ضرورة وإلحاحا على الفروقات الخطابية التي ينعت بها شكل ونظام الحكم في المغرب بين تيارين كل منهما يشقق كلاما يرضي فئة ويزعج أخرى وتنتظر الثالثة الفرصة للانتقام منه، لا يتجلى هذا فقط وفق ما قد نفهم ظاهريا من هذا الكلام بالفروقات المسجلة بين خطاب إعلامي وسياسي يبارك خطوات الحاكم طمعا في الاكراميات والانعامات وخطاب آخر ينتظر مهلة ليحكم ويقرر بعد أن يتخذ المسافة الكافية بين الذات والموضوع، هذا الخطاب الثاني محدود جدا في مغرب السلطان والمخزن، فلا يشفي الغليل إلا الخطاب الاستشراقي ولو على علاته المؤدلجة، ولكن أيضا بين حاملي هويات مختلفة أي من يحركه نمط الانتاج من قبيل التجار وفئات المزارعين ومن يختص بالفكر ومدعوه ممن يسمون أنفسهم بالمحللين وكثير منهم تحت الطلب، طبعا لدوافع مفهومة على كل حال.

بعد هذه الملاحظات الموجزة، نأتي إلى محاولة الكشف عن طبيعة نظام الحكم في المغرب، كيف تأسس؟ كيف تتطور؟ هل تحول أم بقي كما كان؟ نبدأ بما ينبغي أن يكون خلاصة، لو كنا أمام عمل منهجي بحثي مؤطر وينتظر أن يحاسب، لنقول أن المغرب بلد المخزن بقي كما كان يجري من حين لآخر إصلاحات تحت مسمى الحداثة كانت في الأول بضغط من الأجانب ولاحقا مسايرة لروح العصر وبإيعاز من الحاكم وبدون طلب من المجتمع، وفي ذلك جرعة لذكر اسم السلطان وربما لنظم الأشعار. وفي تقديرنا أكبر عائق وأعقدها على الاطلاق والذي لن ينفك منه المغرب هو توجه بغيض للمخزن لتكريس المزاوجة في كل شيء تحت مسمى التقليد والحداثة، فقد بقي كل مشروع للتحديث مشوها لأن أصحابه وحماته الحقيقيون ظلوا بعيدين عن الأضواء يعيشون على فتات المخزن، فصورة كل مشهد حداثي تعكس ازدواجية في شخصية من أراد أن يخلص للموروث فعجز عن صيانته، فداهمه الجديد فلم يقو على صده، فحاول التوفيق بينهما مما زاد الصورة إبهاما وأصبح فك رموزها وطلاسمها صعبا.

من الناحية التاريخية، وفي التاريخ المقارن بالتحديد، نسجل وجود تجارب للحكم مشابهة لما يمكن أن نسميه نظام الحكم المخزني من قبيل ذلك الذي عرفته الممالك الكارولنجية والميروفنجية في أوربا، وعادة ما يتجه الباحثون إلى نسب هذا النظام إلى نمط الاستبداد الشرقي، وفي ذلك بعض من الصواب، لأن لفظة المخزن لم تكن تفيد الجهاز الإداري العام إلا مع الأدلوجة الشريفية وطبعا هي أدلوجة مستوردة من الشرق العربي المتخلف في الوقت الذي كان يقتصر فقط على خزن وحفظ وادخار المال في انتظار توظيفه كما كان يحصل في عهد الدولة المبنية على العصبية. غير أنه إن كان مثل هذا النظام ساد أوربا في عهود ما قد انقضى وانهد إلى غير رجعة، فإنه استمر في المغرب ويرجح أن يكون أحد العوامل المهمة المساهمة في ذلك هو إسهام الفكر الثوري مدفوعا بالتغيير الجذري الذي هم الاقتصاد والمجتمع.

ما الدافع إلى غلبة الثابت على المتحول في نظام الحكم المخزني؟ لن نرجع إلى ما سجله الباحثون حول هذا النظام، سنكتفي بما يظهر لنا حاليا من ملاحظات حول الوظائف المخزنية واللغة والبرتوكول لنثبت ما أقررناه بدءا، من الناحية الإدارية وفي القرن التاسع عشر خاصة في عهد السلطان الحسن الأول الذي اكتمل فيه النظام المخزني، كانت الإدارة المركزية تتكون أساسا من الوزير الأعظم ووزير البحر وأمين الأمناء والعلاف ووزير الشكايات، هذه الوظائف تقابلها في الدولة العصرية تواليا رئيس الحكومة ووزير الخارجية ووزير المالية ووزير الدفاع ثم وزير العدل. وإذا نظرنا إلى عموم الجهاز الإداري اللصيق بالسلطان أو المعين في الأطراف بالمعنى الوظيفي لا المجالي نلاحظ أن تلك التسميات تحيل إلى لغة باردة تزاوج بين الفصحى والعامية وفي النهاية لا تلتزم بأي شيء. قارن بهذا الصدد ما جاء في مؤلف النقيب ابن زيدان، العز والصولة مع استنتاجات ميشو بلير (Encyclopédie de l’Islam, pp. 131-135)

من الناحية الوظيفية كان المخزن يفضل دوما الوهن على القوة لأنه يعتقد أنه سيكون أول ضحايا القوة إن حصلت، وهذا الاعتقاد دعمه فقهاء السلطان ومشاوريه، فلا هو سمح ببروز فئة مزارعة قوية في البوادي بل أطلق يد قواده لنهب وسلب كل تراكم قد يحصل ولا هو سمح بظهور بورجوازية حضرية في المدن تقود الانتاج وتقويه، بل احتكرها موظفا العناصر الموالية له، وفوق كل هذا كان السلطان وهو رأس المخزن طبعا يعتقد أن الشرف الذي يظل به العباد لا يلزمه بأي شيء اتجاه المجتمع، بالمقابل هذا المجتمع عليه توفير كل متطلبات السلطان ما بين حريمه وبنيه ومسخيره الذين تحصلوا الجاه من تلك السخرة بالتحديد، إجمالا كان المخزن ينظر إلى المجتمع مثل بقرة حلوب لا يوفر لها مواد التسمين والعلف وعليها مع ذلك أن توفر له الحليب متى شاء، فأنهكها وخارت قواها. اقتصرت وظيفة المخزن إذن على تجميع الخيرات وإيداعها في خزائنه وجيوب موظفيه ولم يكن يأخذ أي مبادرة لانفاقها للصالح العام، فلم تكن هناك أشغال عمومية ولا سكك حديدية ولا تجارة ولا بريد، فنفقات التعليم كانت محصورة فيما كان يؤدى للفقهاء والمعلمين في القرويين شريطة تمرير الخطاب الذي يريد، وفي الصحة وجدت بعض المارستانات في المدن ينتظر فيها المرضى والجياع إحسان المؤمنين، مهما يكن نجح المخزن فيما فشلت فيه باقي التنظيمات الاجتماعية، فقد كان مبهرا بالفعل في تدبير حالة اللانظام، وفي الحقيقة كان السلطان المغربي ولأمد طويل مجرد رئيس لزاوية كبرى، وأنى أن نتحدث عن الدولة إلا تزييفا أو تملقا. وما يثير الغضب الشديد عندي وربما عند آخرين هو وجود كتابات دافعت عن المخزن وهو على هذا الشكل من الحكم الفاشل، ويزيد هذا الغضب مع تجدد جيل من هؤلاء في مقدمات كتاباتهم يدينون لأولئك لا لشيء إلا لأنهم جعلوا في مراتب ووظائف مخزنية وعلى رأسها منصب الأستاذية في الجامعات ( تراجع بهذا الصدد كتابات جرمان عياش أكبر من بخس وشوه تاريخ المغرب على الإطلاق، كتاب المراجعات، وأيضا محمد المنوني، مظاهر يقظة المغرب الحديث، ثم محمد الحبابي، كتاب الحكومة المغربية مطلع القرن العشرين، بالفرنسية).

بين القرن التاسع عشر ويوم الناس هذا، هل من فروقات يمكن تسجيلها؟ بإيجاز شديد، المخزن الذي كان لا يزال كائنا، يتضح ذلك في مظاهر شتى، انظر مثلا تنقلات العاهل بين المدن والقبائل، أنظر اللغة المستعملة في الخطابات المخزنية، انظر تركيبة الحكومات المتوالية ومناصب الدولة العميقة، لاحظ كيف يكون الفئات ويؤسس للنقلات الاجتماعية وتوزيع ونزع الثروات. لن تجد سلوكات معينة إلا في بلاد المخزن من قبيل أن نفرد عائلة بينابيع المياه المعدنية لم يبذل فيها أي جهد فيسميه المخزن رجل أو امرأة أعمال، أو عقارا يمنح لفرد ما ليكون واجهة لاستثمارات السلطان واحتكاراته...وبالجملة واهم من يدعي أن المخزن سيتغير وكل كلام من هذا القبيل فلا شك تماما أنه مؤدى عنه ماديا أو رمزيا.

المصطفى أيت يدير

أستاذ الثانوي التأهيلي – بني ملال 

عدد القراء : 108 | قراء اليوم : 1

مجموع المشاهدات: 108 |  مشاركة في:

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك

  • عريض
  • مائل
  • تحته خط
  • إقتباس

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

Captcha
Powered by Vivvo CMS v4.7