وأنا أفكر فيما يمكن أن أسميه "المجتمع المنطقي" أجاهد نفسي لأفهم كيف يشتغل هذا المجتمع، وما الذي يتحكم ويملي عليه سلوكياته وأفعاله..وهي في آخر المطاف لا تمت للمنطق بصلة فهم يلقنوننا قيما ومثلا ويدعوننا لتمثلها والعمل بها ونحن أطفال، يمارسون علينا كل أشكال العنف من شتم وسب وضرب ليعدلوا سلوكياتنا وتصرفاتنا لنهذب أخلاقنا وألفاظنا. يقمعون فينا براءتنا، ويضطهدون طفولتنا، ويبررون بأن الهدف هو أن يصنعوا منا رجال الغد الصالحين لأنفسنا وأوطاننا.
وكبرت، وتعلمت، ووعيت، وأدركت أن هذا "المجتمع المنطقي" الذي ولدنا ونشأنا فيه يعاني من الفقر، والجهل، والأمية، والحرمان. مجتمع يقاسي الأمراض النفسية والجسدية. مجتمع عاجز يحاول أن يجد معادلا لعجزه في تغيير أوضاعه في قشور القيم الباردة، والأسطورة والخرافة..وتكون المحصلة في آخر المطاف: الوهم. وعلمت فيما بعد أن الأغنياء ليسوا دائما قساة، وأن الفقراء ليسوا دائما طيبين.
فالمجتمع الفقير الذي منه أتيت وفيه كبرت لا يستطيع أن يحمي نفسه من الرذيلة، والمخدرات، والدعارة والكذب والنفاق فكيف له أن يحمي صغاره، كل القيم التي تربينا عليها تعلمنا الرضا بالواقع والقناعة وأن الأمر ليس في أيدي البشر وإنما في يد الغيب، هو من يحدد مصيرنا، ولا مشيئة إلا مشيئته، وكل من يرفض هذا القانون مشرك وكافر ويعرض نفسه للعقاب الإلهي.
في ظل هذا الوضع حاولنا أن نتعلم ونتجاوز العوائق "الأخلاقية" التي تقف أمام كل شخص يسعى للتميز والتفرد والإبداع، وأغلبنا استطاع أن يتجاوز وضعه ويحسن وضعيته الاجتماعية ويرتقي إلى الطبقة الوسطى، وما أن استقر بنا الوضع ها هنا ودقنا بعض نعم الدنيا البسيطة حتى تخلينا عن جذورنا، ونجا كل واحد منا بنفسه ساعيا حالما بتحقيق وضع أفضل مؤملا أن يرتقي إلى الطبقة العليا، وفي صراعنا هذا فقدنا هويتنا، واتخذنا من "الغاية تبرر الوسيلة" شعارا لنا.
أما الطبقة الثرية فهي عالم مغلق على ذاته لا تولي بالا للمثل والأخلاق ما لم تكن في خدمة قيمها العليا: المال والجاه والسلطة. وهي مستعدة لتدمير كل من يقف في وجه مصالحها العليا. تنعم بخيرات البلد، وتعلمنا أن الفقر نعمة، والغنى نقمة، وأن الأفضل أن لا يشغل المرء باله بهموم الحياة، ومتاعبها، وأن الله قسم الأرزاق، ومن لم يتنعم في هذه الدنيا الفانية، سينال نصيبه في الآخرة الباقية، فما عليه إلا أن يكثر العبادة والتقرب إلى الله، وهم سيحملون علينا أوزارنا، ويتحملون مشقة تسيير أمورنا.
وفي كثير من الأحايين تتداخل هذه الطبقات، وتتداخل قيمها، فالفقير المعدم يفكر ويتصرف بعقلية الغني، وهذا الأخير يقتر على نفسه ويمسك يده حتى لتظنه شحاذا متسولا، والمثقف الذي قضى ليال طوال من تحصيل المعرفة سرعان ما ينسى ما تعلمه فيتكلم لغة الأمي الجاهل. هكذا يبدو المجتمع المنطقي شارد، تائه، تالف التوجهات، بلا هوية حقيقية، قيم مبتذلة زائفة، وسلوك عشوائي عبثي، الأشياء والأشخاص في غير أماكنها، وكلما مر عليها الزمن ازدادت حالته تأزما وسوءا، وتوغل فيه الفساد، وتفككت عرى التواصل، وحل النفاق في العلاقات الاجتماعية، ورفع من شأن القيم الدنيئة والوضاعة وتغربت قيم النبل والصدق، مجتمع يصدق فيه الكاذب، ويكذب الصادق، يحتقر العارف، ويسموا بالجاهل، مجتمع جعل العالم يمشي على رأسه بدل أن يقف على رجليه، وهذا الوضع هو ما أحاول أن أصححه في رأسي مستظلا بعزلتي الاختيارية هذه