في الذاكرة : أنتِ ... الحياة - 4 -
لــذا سيدتــي .. اطوي صفحــة المسـاواة ، ولا تعذبي نفسك بمتابعـة سرابها الضال ، إنها حقــا شبــح تتشوقين إليه ، دون أن يتحقق لك ذلـك أبــد الدهــر، أما إن شاء القدر المحتــوم ووصلت إلـــى مبتغــــاك المنشــــود ؛ الـــذي تنفقيـــن جـاهــدة وبسخــاء مـن أجـــل تحقيقــه ثمنــا باهظـــا ومجهـــودا مضنيــا عقــيـمـاُ تفتقدين معهما أصالتك وعزتك وكرامتك ، فإن ذلـك سيؤدي بك لا محالــة إلــى الملــل والنــدم ، فتعيشيــن معـذبــة مهمـومـــة علـــى الدوام يراودك حلم الراحة الكاملة ونعيمها باستمرار. إن رجـاءك فـي تحقيق المسـاواة سيدتـي ، هـو الـذي جعلك ضعيفة أمــام التجربــة ، فأحسست بالـوحشــة ، وعشت حيـــــاة مضطـربـة ، وانحرفت دون تفكير نحـو الشهـوات ، والمطامــع ، ومغريـــــات المادة ، ورجعت إلـى ظلمـات الماضــــي الدفيــــن دون شعـور منك .. إلا أن هذا الرجـوع الفاظـع غيـــر السليـــم جـاء فـي صـورة أخـرى عصريـة تخالف القديـم ومخلفـاتـــــه ، لأنـك لـم تكونـي أشــد تيقظــا ووعيـا للــدور التخــريبـي فـــي مجــال نشـاطــه المعــادي لقضيــة الحريــة المثلــى لانحرافــــــه الممسوخ عن سبيل النهج التحرري المأمـول ؛ ذلك أن الحريــــة الحقـــة ليست انفــلاة مـن كــل قيـد أو شـــــرط ، بـل الحريــة أن يضــع الإنســان نفســه داخـل حـدود معقـولـــة ، وفــي دائـرة مسطــرة ، و تحت تحكـم رقابـة العقـــل السليــــم ، لأن العقـــل يتبــع خطـــى الحقيقــة ويرشـد إلـى سبيل الهدايـة ، ولأن العقـل المستنيـر يعـرض علـى المـرء أشيـــاء جليلـــة لخــوض غمـــار حيـــاة عظيمــة إيجابيــة ، لا أشيــاء بسيطــة لحيــاة تـــافهــة سلبيـــة ؛ أما الأفعــال بميولاتها ونوازعها فتصدر عن النفس ، والنفس أمــارة بالســوء ، إذا الإنسـان انســاق وراء وســـاوسها انحــرف عــن جـادة السبيـل ، وانجــرفت سلوكياته فــي هاويـة الاضطرابات النفسية.
فإن كنت يا سيــدتي .. في غابر الأزمان ألعوبـة بين أيـدي الرجـال في كــل الأمصــار والبــلـدان – كما تقولين عـن قناعـة - فأنت اليوم ألعــوبـة بين أيــد أتفــه الرجــال بالمعنـى الحقيقـي .. دميـة عاريـــة كمــا خلقهـا الله ، ودون أدنــى شعـــور بالحياء .. يتخـذهـا رجــــال الأعمـــال فـــي المجــالات السينمـائيـــــــــة والإشهــاريـة للحصـول علـى الأمـوال الطـائلـة ؛ كمـا تتخـذ أيّ مــادة مغــريــة لفتـح الأبـــواب أمـــام النفــــوس الدنيئـــــة و الطامعــة نحـو فضـاءات عالـم متفســـخ لا مجـــال لسلطـــــــة الأخلاق فيـه ...
فأين تهربين الآن سيدتي ..؟ هربت من الماضي القاتــم الذي استعبدك فيـه الرجـل حيث وضعك تحت مرارة سوط ربقـة الاستبــــداد والسيطـــرة ، فـوقـعـت مـكـبـلــة علـــــى الــدوام بـأغـــلال وقيــــود زمــن قراصنـة الحاضــر الـذي حـطّ مـن قـدرك الـوافـر ؛ أمـا أنــا فـــأرى أن المهـــرب الوحيــــد الــذي ينبغــي الالتجـــاء إلــى ظـلالــه الـوارفــة ، هــــو الاقتنـــــاع بنصيبك في الحيـاة ، لتعيشي حيـاة موفورة الكرامـة فــي ظـــل المباديء النبيلــة ، وفـي نفـس الوقت تشـاركيـن فـــي ارتقـــاء المجتمــع الإنسانــــي وتنظيمـــه ؛ واعلمـــي أنــه مــع التقــــدم الحضـاري المشهــــود لــه بالازدهـار ، مـا زالت هنــاك تقـاليــد نبيلــة وعــادات جميلـة تحف بالمــرأة بسيـاج مـن الضبط حتـى لا تضـل الطـريــــق الأقـــوم ، ولكــن أسبـاب عــدم الاطمئنــــان لديها، جعلها تعـبر عـن نزوات شــاذة تتمثــل فــي تمــرّدها الدائم علــى القيـود ، ومـع ذلـك لا يتحقـــق لهــــا الهـدوء التــام ، ممـا خالتـه حــلا نهائيــا، مــن موجــات الإحبــاط النفســي الجـارف ، الذي لن يجلب لها إلا المهانة .
إنك المرأة في كل زمان ومكان .. المرأة التــي لــن تستـقر علـى حـال أمـام عــــاطفتها الجيـاشـــة والمتـلونـة .. وأن التي ادعت النبــوة ، وحمّلت نفسها أعظم الرسالات .. قد انهارت أمــام نزواتها لنبــي كــذّاب مثلها بعـد مـوت النبـي الحـق محمـــد صلـوات الله عليـه وسلامـه ، لا لشـــيء ســـوى أنها لــم تستطيـع الصمـــــود أمـام مـا يعتلـج فـي أعمـاقهـا مــن ميــولات ورغبات أنوثيـــة أنستها مـا أقــدم عليــه عقلها مــن نزوع نحـو الرفعـــة.. فجلبت لها فعلتها ولقومها الذل والمسكنة..إنك المرأة .. ومهما عـلوت ستبقين المرأة التــــي خلقت علـــى أن تكــون علـى الـدوام امـرأة .. المــرأة التـي بقــدراتـهــا ومكـارم أخلاقهــــا تستطيع رفـع الإنسـانيــة إلـى أعلـى عليين ..
وبانحـرافها عـن السبيــل القويــم تحــط مــن قـدرها إلـى أسفـــل سافلين ... قـد تحتـاجين سيدتـي إلـى الحمى .. قـد تحتــاجين إلى كامــل العنايــة والعطف والحنــان .. قـد تحتـاجيـن إلــى الـرؤيــا الصـائبـة والتفكيـر العميـــق .. قد تحتاجين إلـى أكثر مـن ذلك .. لأن طـرحـك العقـائـد والتقاليـد جانبـــا دون بديــل مقبـول قــــد أوقعك في فراغ ممل ، ممـا أسـدل علـى نفســك ظــلام الانهيـار المـمـيـت ، فكـفــى مــن تلـويـك الكـلام ، واستــوقفــي جمــــاح ثرثرتـك المستمـرة ، استجابـة لمبــاديء الأخــــلاق الساميــة ، وكفـى مـن الجــري وراء الســـراب ، فقـد أعيــاك الـركــض المتعب وراء اللاشــيء ، اجعلـي حيـــاتك تفيـض بالأنـــــــق .. وانشـدي أغنيـــة المـودة والوئــام ، بعيــدة عــن الصــراع غيـر المجــدي .. وبعيــدة عمـا يعتمـل فــي أعمــاق دخــائلك مــــن نــوازع جعلتــك تنعتـيـن باللغـــز المتعـــذر علـى الفهـــــم … واعلمــي أن الاستقـرار لا بـد أن يقـوم علـى أســاس مــن الفهـم .. وأنت تستحقين أن يكون لديك قدر كبير من الفهم ، لما لك مــن قــوة مؤثـرة وفعالــة فــي توجيــه المجتمــع ... إن الإنسـان قـد خلـق ليقـرأ .. ويطلب العلــم مـن المهـد إلــى اللحــد .. وهـو حـق مشـروع تتسـاوى فيـه كـل الأطــراف دون تحديد .. ومـا ذلـك سـوى عنايـة إلهيــة بالعنصـر البشــــري الـذي خلـق لتحمــل المسئولية الإنســانيـة بكــل معانيهـا علــــــى أحســــن وجــه ، وإنك لـم تحرمـي من هــذا الحـق المقدس الـذي يخــرج المــرء مــن الظلمـات إلـى النــور، والـذي يستطيـع بــه السيـر ببصـر وبصيـرة لتحقيـق الأهــــداف والغايـات المحفـوفـة بسيـاج العيـش الكـريـــم الــذي يـرتضيــــه الإنســــان العـــارف لمـا لـه ومـا عليــه مــن واجبـــات وحقــوق فـي نطـاق حريــة مسطـرة الحـدود .. ومســـاواة متكـاملـة ترقــى إلى مستـــــوى الحكمة والتبصر...
اعترفـي أنـك حققت الحريـة والمســاواة علـى الوجــه الأكمل، واعترفي بفضل الرجل الذي كافح وناضل باستمرار من أجـل تحقيـق نصيبـك المغتصب فــي الـوجـــود ، بعــد أن كـــــان اسمـــك قـــد انمحــى من لائحــة البشـــر .. ليعـوض عــن ذنبــه الكبـيـر إزاء شخصـك الفــذ .. إلا أنـك تقـــابلينـــه بالصـــراع الــدائـم والمقــاومــة اللامتنــاهيـة .. فأيـن المغفـــرة والرحمـة ، وأين صفــات الرأفــة والحنــــان التــي اشتهـرت بهـا يــا ينبــوع الإنسانية ...؟
إنــي لا أنكر أن الرجـل لم ينصفك حقـا ، حين أبقـاك أحقـابــا طـويلـة تعيشيــن فـي أدنـى المراتب فـي دنيـا يســــودها الرجـل ، تمخض عـن كـل ذلـك سلوكيات يشوبها صراع دائــم لا فكـاك لــك منـه ، صــراع ثبّت فــي أعمــاق نفسـك الخــوف المريـر مـن كـونك امـرأة ؛ لكنـه حـاول التكفيـر عن ذنبـه العظيم الذي أرّق مضجع حياته ، وذلك برفـع ألويـة الإصــــلاح فـي كـل مكـان ، مخلــدا اسمـــك علــى صفحـــات التــاريــخ ، فـردّ لــك إنسـانيتـك الضـائعــة فـــي متــاهــات الـزمـن الغــابـر، ليجعـــل منك النصف المكمل له في المجتمع ، لأنـه رأى بعيـن الفهـم أنـك قيمـة أوليــة وأساسيــة فـي المجتمــع ؛ ولأنـه يـرى أن لا ينبغــي التقصيــر في حقوق المرأة؛ وكـذا لا ينبغي التقصيـر فـي حقــوق الرجـــال وتصغيـر حقـوق النســـاء ، لكونهما أبــاء ، وأمهــات ، وإخـوان ، وأخـوات ... إضافة إلى أنهما يمثلان المعنى الحقيقــي للحياة.
فــإن كـان ثمـة ذنب كبيــر قـد اقترف فـي حق شخصك يـا سيدتــي من لــدن الـرجـــــل فـي العهـــود الغــابــرة .. فــــلا تنكري فــي جحــود أبــد الدهر أن هنـاك فضـل عظيـم قـد عمت نتائجـه الآفـاق، وقـد أكـد ميثـاق العمــل لجـامعـة الدول العربيــة " أن الرجــل والمــرأة شريكـا حيـاة ومصيـر ولا بـد لهما مـــــن الإسهام معـا في صنع الحياة على أساس من التعاون والمساهمة " ذلك أن إنكــار المسـاواة مع الرجـل جريمة مخلـة بالعزة الكرامة الإنسانية .
فهلا تعود إليك البسمة يا سيدتي؟ لقد أعيـــاني الحديث إليــك وأنت جـالســة أمـامـي كتمثـال متحجـــر .. كمــا أعيــانـي تعــداد فضائلك علـــى الإنسانيـة جمعــاء دون أن يتحرك لـك ساكن .. أو تبدين أي اهتمـام لأقوالــي وأرائــي ... فابتسمي يا عنيـدة .. وانفضــي عنـك أعبــاء الماضي القبيـح .. ابتعــدي عـن الغـرور.. فـإن مــاضيك لــم يكـن كلـــه قاتمــا كمـا تظنين ، رغـم مـا فيـه من إهدار لحقك مـن الاحترام ، بـل كـان بعضه حـافـلا بالأعمـال الجليلـة ، والبطولات النـادرة ، والانتصـــارات العظيمــة ، تــرددت علـــى ألسنـــــة رجـــالات عظــام فــي الأزمـان الماضيــة ، وفــــي كــل بلـدان العـــالــم ،وأكثــر مـــن كـــل هــذا وذاك .. فقــد حـقـقـت وعــن جــدارة،مبتغــاك مـن الرفعـة والمسـاواة والقداســة منذ أن وطأت رجليكالأرض .. ومما يدل علـى صحــة كلامـي هو هذا التاريـخ المجيد الـذي لـم يتأخـر ولـو لحظـة واحـدة منـذ قـديــم الزمــن ، دون أن يسجــل لـك بمـداد الفخـر والاعتـزاز، طــي صفحـاتــه مـــا قمت بـه مـن بطــولات نـادرة وانتصــارات خـارقـــة جعلـت الـرجـل يخــر لـك سـاجــدا فـي كثيـر مـن الأحيـان اعترافــا منـه بدورك المذهل مند فجر التاريخ...
ذ. حدوا حمـاد الله