الرئيسية » تحقيقات صحفية » “خويا براهيم”..سفاح صاغرو الذي قتل مئة شخص آخرها فقيه وأصبح “واليا صالحا” الجزء الثاني

“خويا براهيم”..سفاح صاغرو الذي قتل مئة شخص آخرها فقيه وأصبح “واليا صالحا” الجزء الثاني

مصطفى ملو

للأولياء الصالحين بالجنوب الشرقي قصص تطبعها الواقعية أحيانا وتغرق في ما لا يصدقه عقل من الخيال والعجائبية أحايين أخرى، حتى إنها تصلح سيناريوهات لأفلام نتوقع لها النجاح، كما نجح أبطالها ذات زمان في ملء الدنيا وشغل الناس، ومن أشهر هؤلاء خويا براهيم دفين بوكافر بصاغرو وزاهق المئة روح الذي تحول بقدرة قادر إلى ولي صالح يفد إليه الحجيج من كل فج عميق، فما قصته؟

تقول الروايات الشفوية إن خويا براهيم كان مجرما قتالا، فتنسب إليه قتل تسعة وتسعين شخصا قبل أن يتم المئة بقتل فقيه يسرق الأكفان في القرى التي كان يقصدها لغسل وتكفين الموتى، حيث كان سكانها عندما يصطفون لصلاة الجنازة على أحدهم يتفاجأون بأنه عار تماما من الكفن، ما دفعهم إلى الاستغراب والتقصي في الأمر، ويا لكم كانت المفاجأة؛ لقد اكتشفوا متأخرين بأن الفاعل، لم يكن سوى فقيههم وإمامهم الذي هو في نفس الوقت المكلف بغسل الموتى وتكفينهم.

رغم أن هذه الروايات لا توضح كيف ولا متى كان الفقيه اللص يقدم على فعلته الشنيعةتلك، إلا أنها تتحدث بثقة عالية أن هذه القصة حقيقية وليست من نسج الخيال، بل إنها تؤكد بأن الفقيه-حسبها-تمادى في أفعاله المشينة، إذ عزت إليه سرقة تسعة وتسعين كفنا أعاد بيعها مستغلا ارتفاع ثمن الكتان في ذلك الزمان.

في أحد الأيام حل موعد الحساب، حيث سيظهر شخصسيضع حدا للفقيه سارق الأكفان والذي لم يكن سوى خويا براهيم!

في هذا السياق تورد الروايات الشفوية، أنه وبينما كان خويا براهيم مارا بالقرية حيث يقيم الفقيه، إذا به يرمق طفلا صغيرا ينتحب بحرقة، فقصده سائلا عن السبب في بكائه الذي لا يتوقف، فكان رد الطفل بما يفيد أن والده توفي لتوه وأن أخشى ما يخشاه أن يدفن عاريا بعد أن يتعرض كفنه للسرقة من طرف الفقيه الذي لم يكن أحد يستطيع مواجهته بالحقيقة ولا إيقافه عند حده لقيمته الاعتبارية أولا وخوفا من سخط إلهي ثانيا.

وتمضي الرواية الشفوية في سرد هذه القصة العجيبة، قائلة بأن خويا براهيم وعد الطفل اليتيم بأنه سيفعل المستحيل كي لا يسرق كفن والده.

ذات مساء وفي الوقت الذي استغل فيه الفقيه اللص سقوط الليل مرتديا أسمالا رثة، متمتما بكلام غير مفهوم لكي لا يثير الشكوك، حتى إذا رأيته حسبته معتوها لا يستحق المراقبة ولا أدنى الاهتمام، معتقدا في قرارة نفسه أن أهل القرية لم يعلموا بأمره بعد،إنما هم فقط يتظاهرون بجهل الحقيقة، توجه إلى غرفة المسجد المخصصة لغسل الموتى وتكفينهم، فنزع الكفن عن والد الطفل، ثم خرج مسرورا مزهوابالغنيمة كمن حقق نصرا مؤزرا وهو يقول؛ “اليوم أتممت مئة كفن”، و-تضيف الرواية- أنه لم يكمل جملته تلك حتى خرج له خويا براهيم من حيث لم يكن يحتسب وأرداه صريعا بطعنة خنجر لم تترك له فرصة للنجاة، فخر مضرجا في دمائه(في رواية أخرى برصاصة من بندقيته) ثم أنشأ يقول: “اليوم أكملت مئة قتيل”، قبل أن ينزع عنه الكفن الذي التحفه واتجه إلى غرفة الموتى ليعيد تكفين الميت !

في اليوم الموالي استيقظ أهل القرية على جثةمكفنة بكفن ملطخ بالدماء وإلى جانبها أخرى عارية تماما، فاندهشوا لما رأوه، إذ لأول مرة ومنذ سنين على حلول ذلك الفقيه عندهم لم يروا جثة مكفنة. وهم على تلك الحال، وفي الوقت الذي كانوا ينتظرون فيه الفقيه الذي لم يميزوا جثته جيدا لصلاة الجنازة، ظهر عليهم خويا ابراهيم قائلا: ” إذا كان الفقيه هو من تنتظرون، فقد أرحتكم منه ومن اليوم أنا من سيؤمكم” !

إضافة إلى جرائم القتل المنسوبة لخويا براهيم، فقد كان قاطع طريق محترف، كما رأينا في مقال سابق معنون ب؛ “ضريح خويا براهيم”..قاطع طريق ظالميتحول إلى “ولي صالح”والتي لا بأس من إعادة اختصارها لمن فاتته، (كان قاطع طريق)يستهدف قطعان الرحل العزل في تلك الشعاب والفجاج بجبال صاغرو ونواحيها، ولكن الأقدار شاءت أن يغفر له الله ما تقدم من ذنوبه وجرائمه، لا بل وأن يتحول إلى أحد أشهر الأضرحة التي كان يفد إليها الزوار من كل صوب وحدب، وما ذلك إلا للخير والعمل الإنساني الذي أسداه لامرأة نفساء(في روايات أخرى حامل)، إذ بينما كان يتلصص على قطيعها في غياب زوجها استعدادا وتخطيطا للسطو عليه، سمع صوتها تئن بفعل الوجع كما شم رائحة كريهة مصحوبة بدخان يزكم الأنوف ينبعث غير بعيد، فدفعه الفضول إلى التجسس على الخيمة التي كانت تقيم فيها من ثقب صغير لاستطلاع الأمر، لتقع عينه على امرأة وهي تشوي قطعا من جلد مدبوغ يستعمل لضرب الخبز وتقطيعه، قبل أن تلتهمها بنهم لتسد جوعها الهائج(في روايات أخرى لإرواء وحمها).

رق خويا براهيم الذي لم يفقد حسه الإنساني رغم “سوابقه الإجرامية” لحالها، كما شفق فيما قبل على الطفل اليتيم، فقصد القطيع الذي كان غير بعيد عن الخيمة وتناول كبشا من أسمن ما في الحظيرة، ونظرا لاحترافيته، فإنه سرعان ما ذبحه وسلخه، وما هي إلا دقائق حتى شرع يقدم أسياخ اللحم المشوي للمرأة الجائعة من نفس الثقب الذي كان يتجسس منه عليها، وقد تصادف ذلك مع حمل كلبة أولئك الرحل هي الأخرى، فكانت المرأة كلما تسلمت سفودا من خويا براهيم الذي لم تر وجهه، تأكل قطعة لحم وترمي بأخرى للكلبة متقاسمة معها شعور الأم الخارجة لحالها من الوضع.

وكما أكرمها هي وكلبتها ملاك الرحمة ذاك الذي نزل عليها من حيث لم تكن تدري، فقد دعت تلك المرأة الله بعد أن أحست بالشبع، أن يحول قبره إلى ولي صالح وأن ينبت الزهر على رأس عصاه التي كان يتوكأ عليها، وهو ما حصل-وفق نفس الروايات-، إذ أصبح ضريحه مزارا تشد إليه الرحال من مناطق عديدة لطلب البركة والشفاء ورواج التجارة والزواج…كما أضحت عصاه ذات مفعول سحري عجيب في كشف الطالع والفأل، فليعرف الزائر وفي الحال هل سيحقق أمانيه وأحلامه في هذه الحياة  أم هو من الخائبين، فإن السر يكمن في محاولة رفع عصا خويا براهيم الرابضة بجانبه بعد وضع الكوع على الأرض، فإن هي ارتفعت فهو ممن قضيت حاجتهم واستجيب لطلبهم بتحقيق الأماني، وإن بقيت ملتصقة بالأرض ولو استعمل كل ما يملك من قوة فعد من الخائبين.

لو عاش خويا براهيم في عهد ونفس محيط بابلو إسكوبار تاجر المخدرات الكولومبي الشهير، لتحول هو الآخر إلى “مجرم مقدس”، تعلق صورته في منازل الفقراء وفي الكنائس وتطبع على الأقمصة وتضاء الشموع لأجله وتنجز حوله التقارير والريبورتاجات والأفلام، ولحضر الآلاف جنازته باعتباره مناصرا للفقراء والمظلومين رغم إجرامه، فوجه الشبه هنا بين هاتين الشخصيتين، لا يتعلق بتشابه في جرائمهما لا نوعا ولا حجما وخطورة، فخويا براهيم بعيد كل البعد عن المتاجرة في المخدرات، و عدد قتلاه المئة(حسب الروايات) لا تساوي قطرة من عدد قتلى إسكوبار، وزمانه ومجتمعه وظروفه غير ظروف بابلو، ولكن الشبه يكمن في جمعهما بين الأعمال الإجرامية والإنسانية في نفس الوقت، وإن كانت أعمال إسكوبار “الإنسانية” كدعم الفقراء ماليا وشراء المنازل لهم بأهداف سياسية أو اقتصادية غير معلنة، في حين أهداف خويا براهيم بريئة ونابعة من حس إنساني محض.

إلى وقت قريب كان مئات المنتمين إلى نفس قبيلته من العطاويين البوادوديين يحجون إلى وليهم الصالح بعجل سمين، حيث ينظمون موسما سنويا عند ضريحه أين يقضون ليلة القدر ولكل منهم حاجة هو سائلها.
اليوم يعاني ضريح خويا براهيم كما غيره من أضرحة الجنوب الشرقي من الإهمال ولم يعد بنفس الإشعاع الذي كان عليه فيما مضى، حيث أصبحت جنباته مسكنا للفئران وبنياته آيلة للسقوط، وصار مقصدا لبعض الشباب والأطفال، ليس للتبرك، بل لاقتناص فرصة خروج بعض الزوار المعدودين على رؤوس الأصابع للظفر بما يضعونه عند رأسه من “فتوح” عبارة عن دريهمات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*