Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الرئيسية » مواقف وأراء » “زينة” بنت الفقيه يوم عيد “كورونا”

“زينة” بنت الفقيه يوم عيد “كورونا”

لله ذر الأدب المغربي وهو الذي كتب بعض الروائع عن فئة خاصة من البنات وفلذات الأكباد يصف ظروفهن قبل جمالهن،ويقوم سلوكهن قبل معارفهن..”بنت الخراز”..”بنت الدراز”..”بنت الليسي”..”بنت الفشوش”..،وأنا اليوم أجدني أنهل من هذا التراث الأدبي الغني لأكتب عن “بنت الفقيه” خلال جائحة “كورونا” وما صادف منها أيام العيد . كانت بنتا قروية يافعة في الرابعة عشر من عمرها اسمها “زينة”،وكالعديد من صديقاتها القرويات جنوب الأطلس الصغير،لم يكن لها الحظ في ولوج المدرسة العمومية لكونها بعيدة عن القرية،ولكنها تتابع دراستها في المدرسة العتيقة لمسجد الحي،وهي عبارة عن كتاب متوسط يحفظ القرآن الكريم وبعض متن العلوم الشرعية لأمثالها من الأطفال،ويشرف عليه الفقيه ” الطالب المهدي”، وهو مؤذن من القصر المجاور وصديق والدها الفقيه “مولاي عبد الله بناصر”.

         اليوم،ولمدة ثلاثة أيام على التوالي،لم تذهب “زينة” إلى المدرسة الكتاب رغم صحتها الجيدة والأحوال الجوية الممتازة،ذلك أن الفقيه ” الطالب المهدي” قد تغيب كل هذه الأيام على غير عادته،فلم يصلي مع الكبار في المسجد ولا حفظ الصغار في الكتاب،ويظهر أنه سيستمر في الغياب لأن أخبارا سيئة قد بدأت تنتشر في القرية وعلى أمواج الإذاعة وشاشة التلفاز،و ها هو الشيخ “أمغار”والقائد و البواب”البراح “،يجوبون القرية ويدقون طبول النذير والنفير في الناس أن الزموا بيوتكم ..ثم الزموا بيوتكم..فإن داء خطيرا يدعى “كورونا” يجتاح العالم،وقد انتشر في الشرق والغرب وحتى في البلد عندنا،وهو مرض فيروسي فتاك،لا يرى بالعين المجردة،وليس له دواء إلا الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي كما يقول الأطباء،أيها السكان الزموا بيوتكم  من فضلكم..الزموا بيوتكم كبيركم وصغيركم..الزموا بيوتكم خير لكم..لا خروج ..لا عمل..لا دراسة..لا رعي..لا فلاحة.. لا سفر..كل هذا إلى إشعار آخر..وقد أعذر من أنذر؟؟.

         تساءل القرويون وهم لا يكادون يفهمون من الأخبار الصاعقة شيئا:”ولكن من لحقولنا..من لبهائمنا..من لأولادنا..ومن..ومن..”؟؟،فأخبرتهم السلطة ألا يقلقوا على شيء..أي شيء..فإن الدولة – والحمد لله –  قد اتخذت كل تدابيرها واحتياطاتها،وإن شاء الله..إن شاء الله..سترسل لهم مساعدات اجتماعية هامة تكفيهم..وأما هي فسننظم لهم الأسواق..وستوفر لهم المؤن عن قرب..وحتى الأبناء سيدرسون في منازلهم عن بعد..و كما يسمعون في الإذاعة والتلفاز..سوف..وسوف..وسوف..،فقط، فليمكثوا في منازلهم..وليحموا أنفسهم و بلدهم؟؟. مكث السكان في بيوتهم وهم الذين لم يألفوا ذلك،وها هو أسبوع كامل قد مر عن حجرهم الصحي ولم يروا على أرض الواقع من الوعود شيئا غير إحدى الجمعيات المدنية المحلية تخوض حملة تقديم بعض المساعدات التضامنية التلقائية من أهل القرية وإليهم،بشراكة مع الجماعة السلالية وتحت إشراف السلطة المحلية طبعا،وتحت شعار:” كلنا مواطنون..كلنا متضامنون..عاش الملك”،”اغسلوا أيديكم..ونظفوا بيوتكم..فإن النظافة من الإيمان”،و”غير بقوا في داركم..احنا نتسخروا  لكم”؟؟.

         أسبوع آخر من الانتظار على أحر من الجمر،ولا شيء ملموس،حتى التعليم عن بعد الذي قالوا أن الفقيه سيقوم به لفائدة تلاميذ الكتاب،لا شيء ملموس غير تسويف غير مفهوم تناسلت بشأنه كل الأخبار الصحيحة والزائفة،نفذ صبر القرويين واشتد جوعهم وعطشهم فخرج بعضهم يبحثون عن أقواتهم وأقوات بهائمهم،ولأن “زينة” قد غاب أبويها بسبب كونهما كانا في زيارة إلى بعض الأقارب في مدينة “أكادير” بمناسبة عائلية،و من سوء حظهما أنه قبل عودتهما اتخذت السلطات قرار منع التنقل بين المدن فمكثوا هناك على بعد 300 كلم من القرية؟؟، تحملت “زينة” مسؤوليتها ومسؤولية أخيها “أمين” الذي يصغرها بعامين،فأرسلته إلى جلب الماء على ظهر الحمار من على بعد 6 كيلومترات،وتطلب منه ذلك كل الصباح،وفي المساء كلفته بإخراج البهائم للرعي في الغابة،أما هي فستتنقل إلى المركز (الفيلاج) لبعض التسوق وتعبئة الهاتف والكهرباء..،ولكن من أين لها بلوازم الخروج،من أين لها بالرخصة والكمامة والمعقمات وهي التي لا يوجد حسها في القرية رغم كونها تصنع وتوزع في التلفاز بالملايين؟؟،ركبت “زينة” – متوكلة على الله – دراجة أبيها النارية من نوع “موبيليت” في اتجاه المركز،ولكن ما أن بلغت مداخله بعد ساعات مضنية من السفر على طريق غير معبدة،حتى قبض عليها الحرس المخزني واقتادوها إلى القيادة، هناك سألوها عن رخصة الخروج..ليست عندها..عن الكمامة..ليست عندها..عن قبعة الدراجة النارية و أوراق التأمين..ليست عندها..فسجلوا ضدها ثلاث غرامات بمبلغ 300 درهم،وهي التي لا تملك في جيبها غير 30 درهم أرادت بها تبضع بعض قطاني رمضان ب 20 درهم وتعبئة الهاتف ب 10 دراهم ؟؟.

         بكت “زينة” وتوسلت كل رجال القيادة،شرحت وضعها وظرفها،لكن القانون في نظرهم هو القانون،في الأوقات العادية فما بالك في الأوقات الاستثنائية؟،وبعدما لم ينفع توسلها وبكاؤها أمام كل القيادة،عادت “زينة” المسكينة إلى قصرها تجر أذيال الخيبة،ورغم أنها كانت جد منهكة والمسافة جد طويلة،فإن العائدين من المركز إلى القرية لم يستطع ولا أحد منهم أن يحملوها معهم  لا على دوابهم ولا على دراجاتهم،فلا بد من احترام مسافة الأمان؟؟.وهكذا توالت خطوات الطفلة على الطريق وانطوت لها المسافات،وها هي قد وصلت أخيرا إلى القرية منهكة عن آخرها،ومما زاد من قتلها وإنهاكها أن أخاها الأصغر أيضا قد تزامنت عودته بعودتها،وتعالى بكاؤه فوق بكائها،ذلك أن درك المراقبة قد نزل في الغابة يطارد من يخرقون الحجر الصحي من شباب القرية،وقد صادر منه البهائم وكأنها قد خرقت هي أيضا الحجر الصحي وما خرقته ولكن عن أقواتها بحثت “العنائز”؟؟.

         أسدلت الليلة غطائها،وهي الليلة التي صادفت 27 من رمضان،ولأن البيت الفقير المسكين لم يحظى بالمساعدات الموعودة،بل وصادروا منه شحيح زاده وقليل بهائمه،فليس عندهم ما يحتفلون به بهذه الليلة المباركة،غير النوم المبكر في الظلام الحالك والحنق الهالك،ولولا أن أحد الجيران قد انتبه إلى السائد من الظلام في بيت جاره الفقيه،فتفقد أبنائه واطلع على أحوالهم وبعدما وعدهم بالتدخل الممكن في الوقت الممكن،زودهم ببعض العشاء من عشاء بيته وأبنائه،وجر لهم من بيته خيطا كهربائيا بمصباح مضيء،فرح الأبناء بصنيع جارهم وما هدأه من روعهم،فاستجمعوا قواهم لإحياء ليلة القدر المباركة كما عهدوا ذلك عن آبائهم،الذين لا يزالون يجهلون من أخبارهم لما فقدوه معهم من اتصال،تقدم ابن الفقيه “أمين” يصلي بأخته “زينة” وهو يحفظ من القرآن ما يحفظ،وكلما ركع أو سجد إلا وأخلص كأخته في الدعاء،وكان كل منهما يدعو:”يا رب،حدنا بسؤالك علمك بحالنا”،”يا رب،اللهم إنك عفو تحب العفو فأعفو عنا”،”يا رب،فرج همنا وكربنا وارفع غضبك ومقتك عنا،إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي”،إلى أن غالبهما النوم  ولم يقوما لصلاة الفجر إلا بعد طلوع الشمس؟؟.

         وفي صباح يوم العيد وما أدراك ما يوم العيد،يوم يتوقف فيه الزمن ويتجدد فيه الأمل،يوم تتغير فيه النمطية ويتبدد الملل،ويسود فيه الأنس والتزاور والمحبة و التغافر،في هذا اليوم كانت المفاجأة،ليس بما كان معهودا من شراء اللباس الجديد،ولا تهاطل الهدايا على بيت الفقيه بمناسبة العيد،حتى ما كان معهودا منها من “فطرة” المؤذن والفقيه والبواب “المسحراتي” التي كان يمنحها لهم القريب والبعيد، فبسبب ظروف الحجر الصحي،لا أحد طرق عليهم الباب، لا بالتهنئة ولا بالزيارة في هذا اليوم السعيد،وفوق ذلك،أي عيد للأبناء الصغار في غياب والديهما بعد عمر مديد،وفي وحدتها مع أخيها يوم العيد،أخذت “زينة” هاتفها الذكي تعبث فيه بأناملها تسترجع عبره الذكريات،صورة هنا..وفيديو هناك..وبينما هي كذلك رأت بلائحة روابطها اسم أعز صديقاتها “هينة” من القصر المجاور،وتمنت لو كانت في هاتفها تعبئة وبقية رصيد حتى تكلمها،حتى تكلم والديها وتطمئن على أحوالهما وقد طالت غيبتهما،حتى تسجل بيتها وكل بيوت القرية في الرقم التضامني الوطني”1212″،وتتطوع بعدها ولو رمزيا في الرقم التضامني الآخر”1919″،وتتصل وهذا هو الأهم برئيس الحكومة حتى يعيد لها مسلوباتها لدى القيادة والدرك؟؟.

         ولأن ذلك غير ممكن فقد استرسلت الطفلة في حلمها ولو من باب اللعبة والخيال،فأخذت تتكلم في هاتفها وكأنها مكالمة عادية،وكانت المفاجأة أن بدأت تسمع صوت صديقتها من الطرف الآخر عبر الهاتف،لقد مرت المكالمة،هي لا تصدق،ولكنها متأكدة من هذا،مثلما أنها متأكدة من نفاذ الرصيد،مرت المكالمة مع صديقة أخرى،لم تصدق،بحثت في رصيدها وإذ به 50 درهما مضاعفة 15 مرة بما يعادل 750 درهم صالحة للاستعمال 6 أشهر قادمة،من أرسل لها هذه التعبئة؟،من فكر فيها بزكاة الهاتف هذه؟،هل يكون أبوها؟،هل يكون جارهم؟،إحدى صديقاتها؟،المهم ليس اتصالات المغرب فهي قترة جشعة تحاسب على الدقيقة والثانية؟؟،فرحت “زينة” وهي تقول:”ما أجملها من زكاة..زكاة الهاتف..مكالمات وأنترنيت..ألعاب وتطبيقات”..قضت معها زينة وأخوها يومهما مستمتعين غاية الاستمتاع بالاطلاع على أجمل التهاني وإرسال أصدق المعايدات،ورأوا كل الصور والفيديوهات الجميلة،وسمعوا كل أصوات الأقارب والأصدقاء،حتى صوت والديهما أخيرا رن في أذنيهما بشيء من الآمان والاطمئنان،ولولا هذا الغياب فقد أمتعهما اللعبة وتضامن أهل القرية وأنساهما كل ذلك مواجع “كورونا” أو يكاد..وأنساهما مواجع “كورونا” أو يكاد؟؟.   

         خلاصة،لا أحد يشك في التضحيات الجسام التي تقوم بها الدولة لمواجهة الجائحة،ولا في احترازاتها الاستباقية الناجعة، والتي حققت رغم مرارتها نتائج أبهر من باهرة،لا أحد يشك في المساعدات التي وعدت بها المحتاجين والمتضررين ووصلت فعلا بملايين الدراهم إلى الآلاف المؤلفة منهم،ولكن إلى متى ستصل هذه المساعدات إلى العديد من المتضررين المنتظرين خاصة في العالم القروي؟؟،هل ستنتظر البهائم الرتع و المواليد الرضع والشيوخ الركع كل هذه البيروقراطية المقيتة؟؟،وكأن أحد الحقوقيين على لسان “زينة” ينتفض ويصرخ ويقول:”أين ما نتحدث عنه من اللامركزية،والجهوية،والشأن المحلي؟،لماذا كل هذه الصرامة عندما يتعلق الأمر بواجبات المواطن،وكل هذا التراخي عندما يتعلق الأمر بحقوقه؟؟،مؤخرا،قامت ضجة فيسبوكية ضاغطة تتهم مجلس جهة درعة تافيلالت بتطاير دعمه المالي الذي قرره أغلبية ومعارضة للتخفيف من تداعيات الجائحة على الساكنة المتضررة،وهو مبلغ مهم يقدر ب 10 ملايير سنتيم، وفق تدخل اجتماعي صحي تعليمي مضبوط،وقد مرت على إقراره شهرين متتابعين دون فائدة؟؟،وإذا برئيس مجلس الجهة يخرج ببيان توضيحي يقول فيه أن هذا المبلغ لم تصادق عليه مصالح “الولاية” إلى حد الآن؟؟،أليست هذه جائحة أخرى وأفظع؟؟،بأي حساب سياسوي أو أمني..أو..أو..أو أيا كان،تكون مصلحة المواطن المغلوب على أمره محل صراعات خفية ومعلنة ومزايدات سياسوية بائدة،لماذا نمتلك كل الوسائل والحلول إذا تعلق الأمر بجوقة من الأجانب،ونعدم كل هذا إذا تعلق الأمر بنا نحن المواطنون أهل الدار،أعيدوا لنا شيئا من الثقة في عهد الثقة من فضلكم..رجاء من فضلكم؟؟. 

الحبيب عكي   

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*