Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الرئيسية » مواقف وأراء » القائدة الرائدة !!

القائدة الرائدة !!

      لشدة تعطشنا الكبير والدائم إلى مسؤولين مخلصين وصادقين في أعمالهم، من ذوي الضمائر الحية والأرواح المتوثبة، الغيورين على سمعة وطنهم ومصالح أبنائه في أوقات الرخاء كما في أوقات الشدة، صرنا للأسف الشديد نبتهج لكل من قام بعمل أو مبادرة عاديين يندرجان في إطار واجبه المهني البحث، الذي يتقاضى مقابله راتبا شهريا وتعويضات وعدة امتيازات من أموال الشعب، ونعتبره أحيانا إنجازا خارقا غير مسبوق، أو نقطة ضوء في فضاء يسوده الظلام البهيم.

      ويأتي حديثنا هنا والآن بمناسبة ذلك اللغط الواسع الذي أحدثه تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي لمقطع فيديو، عشية إعلان السلطات العمومية عن الدخول في حالة الطوارئ الصحية، حرصا منها على حماية صحة وسلامة المواطنين، بسبب تفشي فيروس كورونا المستجد. حيث استطاعت قائدة من مدينة أسفي بأسلوبها البسيط والمباشر أن تسرق الأضواء من حولها وتتحول سريعا إلى مادة دسمة للتفكه والسخرية، من خلال نبرة صوتها وهي تعاتب مجموعة من الأطفال على خروجهم إلى الشارع، عوض توخي الحذر والالتزام بالبقاء في بيوتهم، داعية الأمهات بشكل مرح ومثير إلى تسليمها المتكاسلين من أبنائهن في دراستهم، للتكفل بهم وإعادة تأديبهم.

      بيد أنه سرعان ما عاد البعض للتعاطف معها والدفاع عنها، إذ تكاثرت الهاشتاغات المنوهة بها، جاعلة منها مثالا لروح المواطنة والحس بالمسؤولية، وتميزها عن الكثيرين من زميلاتها وزملائها من حيث حصولها على الدكتوراة في القانون العام، جديتها في أداء واجبها، شغفها الكبير بمهامها وقدرتها على التواصل مع المواطنين، إلى الحد الذي وصفها البعض بالمرأة الحازمة والحديدية التي تمكنت في وقت وجيز من إلزام سكان أحياء المنطقة الخاضعة لنفوذ مقاطعتها بالتقيد بالقوانين والتدابير الوقائية. والحال أنها لم تأت بمعجزة أو أي عمل بطولي يستلزم كل هذا التمجيد المبالغ فيه، عدا أنها كانت تدعو بعفوية إلى ضرورة احترام الحجر الصحي عبر مكبر الصوت.

      والانبهار الذي ينتابنا من حين لآخر ببعض الشخصيات ليس غريبا علينا نحن المغاربة، غير أن جذوته كثيرا ما تنطفئ سريعا بعد مرور “العواصف”. ويشار في هذا الصدد إلى أنه سبق أن أثيرت ضجة مماثلة حول رئيسة مقاطعة حضرية بمدينة آزرو خلال صيف 2017، وهي القائدة شيماء الشهباوي التي قادت حملة حازمة ضد المترامين على الملك العمومي، مباشرة بعد خطاب العرش بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة، الذي وجه فيه ملك البلاد محمد السادس انتقادات لاذعة للموظفين العموميين، وما بلغت إليه أوضاع الإدارة المغربية من ترد صارخ، جراء غياب الحكامة وجودة الخدمات وانعدام الكفاءة وروح المسؤولية لدى الكثيرين، ممن يساهمون في تعطيل مصالح المواطنين وعرقلة تقدم البلاد. وهو ما جعلها تنال حظا وافرا من الثناء عبر منصات التواصل الاجتماعي، لكن أين نحن من تلك الجرأة والصرامة اليوم والحال مازات هي الحال، إن لم تكن تراجعت إلى الأسوأ؟

      جميل جدا أن نفخر ببعض الموظفات والموظفين وأن نرميهم بالورود عرفانا بما يقدمونه من خدمات جليلة، لكن الأسوأ وغير المقبول هو عدم احترام الكثيرين حقوق الإنسان وصون كرامته، وتمادي الجهات المسؤولة في غض الطرف عن المتعسفين منهم. فالحاجة اليوم تستدعي التعجيل بضخ دماء جديدة في إدارتنا العمومية، عبر طاقات شابة من الجنسين،  تكون ذات كفاءة عالية وتشكل نموذجا يحتذى به على مستوى الفعالية في الأداء والنجاعة في العطاء بسخاء، وقدوة في الاستقامة وحسن المعاملة مع الجميع، وليست بحاجة إلى مقاطع فيديويات لتلميع صورتها في المناسبات والأزمات.

      فنحن هنا لا يسعنا إلا أن نشد بقوة على يدي القائدتين حورية وشيماء ومعهما كل مسؤول نزيه، يكون همه الأول والأخير هو الإخلاص لوطنه والسهر على خدمة أبناء الشعب بغير أدنى تمييز بينهم، كيفما كانت مستوياتهم ومراكزهم الاجتماعية، لكننا لا ننكر أن هناك عشرات الموظفين الشرفاء والمخلصين المتميزين بدماثة الأخلاق ونكران الذات، الذين يعملون بصمت وبلا بهرجة، هدفهم الأسمى هو الانخراط الشامل في تحقيق التنمية والنهوض بالمجتمع، غير مبالين بما يعترض مسارهم من صعاب ومضايقات هنا وهناك، لأنهم يؤمنون بما تمليه عليهم ضمائرهم وما عليهم من واجبات تجاه بلادهم…

      ومن نافلة القول أنه من غير المجدي أن نظل ننفخ في بعض المسؤولين والموظفين العموميين، ونعتبرهم مجرد “فلتات” حملتها لنا الصدفة، بل علينا وكما دعا إلى ذلك عاهل البلاد في أكثر من فرصة ومناسبة، أن ننكب بكل جدية ومسؤولية على إصلاح الإدارة، حتى ترقى إلى مستوى إدارة حديثة ومواطنة وتكون فاعلا أساسيا في التنمية، تقوم على أسس الحكامة الجيدة والشفافية والنزاهة في استخدام الموارد وتحقيق الغايات الكبرى، انطلاقا من توفير الكفاءات اللازمة والسهر على تجويد الخدمات العمومية على أساس المساواة، التصدي لمختلف مظاهر الفساد وسوء التدبير واعتماد المقاربة التشاركية، إعادة هيكلة المنظومة الرقابية وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة…

اسماعيل الحلوتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*