Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الرئيسية » مواقف وأراء »    البزّاق الحكيم، مجنون الوطن السّقيم

   البزّاق الحكيم، مجنون الوطن السّقيم

عبد العزيز غياتي

      أسند ظهره إلى الحائط مولّيا وجهه قبل الشّارع الذي ابتلع معظم قارعة الطّريق ولم يتبقّ للمارّة خيار للابتعاد عن البزّاق الذي أغرق المكان بصقا، حاولت عبثا ترتيب خطواتي ليصادف مروري أمامه فترة ما بين بصقتين ولكن المدفع البصّاق كان أسرع، فنال حذائي خطأ بعضا من بصاقه.

      كعدد كبير من أمثاله يُحقنون في شرايين المدن والقرى بين عشيّة وضحاها في كلّ مناسبة وحين، لا يعلم أحد مَن أتى بهم ولماذا؟ ومتى ومِن أين جيء بهم؟ ولكنّ الأكيد أنّهم ضحايا شحّ الموارد البشريّة المتخصّصة في الطبّ النّفسي،  وضحايا القدرة الضّعيفة للمستشفيات على استيعابهم من أجل التّكفّل والعلاج، وضحايا نظام صحّيّ لم يتوفّق في وضع يده على مكمن الخلل وقاية وعلاجا، نظام يعوّل على احتضان الأسر والمجتمع لهذه الفئة من المواطنين على الرّغم من الأضرار التي يتسبّب فيها وضع كهذا للمعنيّين أنفسهم ولمن حولهم، كما كانوا من قبل ضحايا ضعف القدرة النّفسيّة على امتصاص وتحمّل الضّغوط والمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والنّفسيّة، وضحايا الانتشار الميسّر للحصول على جرعات من المخدّرات، أو ضحايا حبّ مَرضيّ مفرط للوطن، أو ضحايا آفات أخرى قد تعدّ وقد لا تحصى.

     طغى الإشفاق على الامتعاض والاشمئزاز من هذا الفعل الذي يقوم به الباصق المجنون الذي تخلّى عنه الأهل والأقارب والإخوة والأصدقاء، تُرك بقسوة لمصيره من قبل الحكومات والجمعيّات، ولأنّه لم يتحدّث أحد باسمه أو ربّما بحّ صوت من فعل فذهب صدى صوته أدراج الرّيّاح، ولأنّ الله وهب كلّ واحد من خلقه طريقة للتّعبير عن رأيه قد يكون الصّمت إحداها؛ فقد ارتأى صاحبنا أن يعبّر عن رأيه بطريقته الفريدة؛ فالبصق في حد ذاته تعبير وطريقة البصق تعبير، ووضعيّة الجسد التي يتخذها الرّجل أثناء البصق تعبير، وملامح الوجه أثناء البصق تعبير، والصّوت المرافق لكلّ بصقة تعبير، وسرعة البصق وتردّده تعبير، وكمّية اللّعاب في كلّ بصقة تعبير، ومن يدري ربّما سيظهر مستقبلا هذا الشّكل من النّقد ويولد معه نقّاد البصق، كما ولد نقاد الفنّ التّشكيلي والشّعر الحرّ ليفكّكوا ألغاز هذا الفنّ الدّفين ويحيوا رموزه وصوّره وأصواته ويحوّلوها إلى نصّ مقروء يدرّس في المدارس ويناقش في الأكاديميّات.

      وكيف امتعض من شخص لا يرتزق من بيع الخمر للمسلمين ولا من القوادة أو الدّعارة أو تجارة الرّقيق الأبيض، و لم يستولِ على الرّصيف ولا على جزء من الطّريق لإنشاء مقهى أو محلّ تجاري، ولم يستول على أراض فلاحيّة خصبة كانت في ملك الدّولة تحت قناع عقود كراء طويلة الأمد، ولم يستول على بقع عقاريّة أو مساحات سيّاحيّة بأثمنة بخسة إلى درجة خرافيّة؟ وكيف أشمئزّ من مواطن لم يسرق المال العام  ولا مال المنخرطين في وداديات سكنيّة، ولم يستنزف ثروات البلاد ليودعها حسابا في بنما أو سويسرا؟ وكيف يضيق صدري برجل لا يملك غير الملابس التي على ظهره وكسرة خبز يابسة في جيبه، ولا يشغل مؤقّتا من هذا الوطن غير متر مربع يجلس فيه، ونصف متر مربّع يبصق عليه بصدق وأدب، ليس على أقدام المّارّة ولكن في وجه مصّاصي الدّماء وسرّاق الزّيت والطّفيليّات والطّفيليّين الذين استحلّوا العيش على حساب الغير، والمتاجرين في أقوات الشّعوب والمقامرين بمصير الأمم، يبصق بدون خلفيّة أيديولوجيّة في وجه سماسرة السيّاسة والانتخابات والعمل الجمعويّ، الذين راكموا الثّروات دون أن يُسألوا عن مصدرها .

      الاحساس بالأمان نعمة افتقدها صاحبنا ولم يعد له من يحميه غير حائط يسند إليه ظهره كلّما أراد اقتناص بعض الدّقائق للرّاحة والاسترخاء، فهو مريض لا يتلقّى علاجا، ومتشرّد في وجود بيته وأهله، وفقير رغم ممتلكاته، ويتيم قبل وفاة والده، ومسكين وعابر سبيل في وطنه، وأسير في رحابة مجتمعه، وقبل كلّ ذلك هو غير مسؤول رفع القلم عنه يمشي بين النّاس،  فكم من وزارة وكم من قطاع وكم من جمعيّة في رقبتها دين للباصق؟ دين يستدرّ بصقه باستمرار، مادام حالُه على حالِه بوثيرة هادئة مسترسلة، تتغيّر سرعتها وقوّتها وكمّيّة البصاق الذي تحمله حسب كلّ موقف مؤلم تشعّ صورته في مخيّلته، وحسب كلّ لحظة يأس من الأمل في مستقبل أحسن.

      ولأن لكلّ فنّ متطفّلون فسأكون متطفّلا على تحليل “البصق” كشكل من أشكال التّعبير و كفنّ لم يولد بعد وأبدأ بعدّ من لا شكّ أنّه يستثنيهم من بصقه وأذكر منهم من غضّ الطّرف عنه و عن ما صدر عنه تفاديا لاستفزازه والدّخول معه في دائرة مشاحنات عقيمة، ومن مدّ له قطعة ثوب تستره أو لقمة أكل تقيم صلبه كان مارّا أو صاحب مطعم أو صاحب محلّ يمارس فيه حرفة أو تجارة، وكذلك يستثني من دافع عنه ضدّ المتحرّشين به من الصّغار والمنحرفين، ومن أجاره بالسّماح له  بالمبيت جوار بيته أو محلّه الذي يسترزق منه، و من دعا له بالشّفاء سرّا أو جهرة، أمّا من نالوا حظّهم عن جدارة فقد وزّع صاحبنا عليهم ما يستحقّون بكلّ أمانة وموضوعيّة، كلّ حسب ما كسبت يداه؛ فالبصقة العنيفة من نصيب الظّالم البيّن ظلمه المحميّ من أولياء نعمته، والخفيفة للسّاكت الذي يعين الظّالم على ظلمه بالسكوت ويعين السّارق بغض طرف عنه، أمّا البصقة الكثيفة فلمن تخصّص في سرقة الثّروات القارونيّة، والبصقات المتردّدة موجّهة لمن يغيّر موقع المسؤوليّة كلّ مرّة وحين ليغرف من جديد الملايير أمام أعين الملايين، أمّا البصقة الفريدة فمن نصيب المبتدئين في سرقة المال العام، و بقدر ما يزداد الجمع بين اللّؤم والخبث والسّرقة والخيانة والنّفاق ترتقي البصقة في سلّم الألوان من أبيض إلى أصفر إلى أخضر، كما يدلّ مصدر البصقة عن ما تحمله من مشاعر قلبيّة أو معانيّ عقليّة.

      لا يرفع الباصق رأسه ويقطع لحظات الإبداع إلّا ليردّ بملامح وجهه على من يرمقونه بنظرات غريبة: إذا كان لِلَيلى مجنون قال فيها شعرا، فأنا مجنون هذا الوطن، لن تستطيعوا قراءة كلّ لوحاتي، ولست أحمقا كما أبدو لكم، بل مِن فِي تُؤخذ الحكمة، و إلّا من الأحمق ومن العاقل يا عبّاد المظاهر؟ هل الأحمق من يستطيع قول الحقيقة كما ولدتها أمّها و يستطيع البصق في وجوه الظّلّام والمنافقين؟ أم هم سكّان هذا المجتمع السّقيم الذي لم يلد غير الذين تعوّدوا قول نصف الحقيقة بعد أن يلبسوها ويزيّنوها على الموضة، الذين استأنسوا بالمنافقين أصدقاء ،حلفاء وأخلّاء. 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*