Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الرئيسية » مواقف وأراء » ممرّض في حَيْصَ بَيْصَ (7)- قابلات في قفص الاتّهام

ممرّض في حَيْصَ بَيْصَ (7)- قابلات في قفص الاتّهام

عبد العزيز غياتي

  (طبيب و موّلدتين سبب وفاة الأم وجنينها بالمستشفى الإقليمي ب…….)، (وفاة سيدة حامل بمستشفى …. بسبب “الإهمال” تشعل الاحتجاجات ب……)، (وزارة الصّحّة تفتح تحقيقا في وفاة سيدة وجنينها داخل مستشفى ….. وتعد بمعاقبة المسؤولين، (وزارة الصّحّة تُحَمل ثلاثة أطر طبيّة مسؤولية وفاة حامل ب…….).

      هكذا كتبت بعض المواقع الإخباريّة المحليّة والوطنيّة، وهكذا بدأت النّقاش من حيث تفترض مُسبقا أنّه سينتهي التّحقيق إلى إدانة الأطر الصّحيّة، هكذا تصدر حكمها بالإدانة في حقّهم قبل نهاية التّحقيق الذي تقوم به السّلطات المختصّة أو ربّما قبل بدايته، وكلّ ذلك تحت مسمّى التّحقيقات الأوّليّة، والحقيقة أنّ عين بعض الإعلاميين المجرّدة من حسابات المبيعات وعدد القرّاء لم تعد كذلك، إنّما أصبحت تنساق بانسيابيّة عجيبة مع التوجّه الغالب الذي يسيطر على الرّأي العام، فتعجن بضعة أخبار بدموع أهل الضّحيّة وتطلق التّهم عن اليمين وعن الشّمال، وكان الأولى فتح تحقيق صحفيّ لاستجلاء الحقيقة بدل البحث عن تحقيق سبق صحفيّ بأقلّ مجهود، أو على الأقل تحرّي الحذر في تناول الموضوع للحفاظ على قرينة البراءة وتجنّب استعداء القارئ ضدّ من يُعتبرون أبرياء حتى يثبت العكس.

      وهكذا تُصوّر الكيفيّة التي تتفاعل بها الوزارة الوصيّة مع موضوع  يهمّ أطرا مرتّبة في أسلاك إدارتها؛ فمن عبارة ( الوزارة تحمّل المسؤوليّة للأطر) إلى عبارة ( تعد بمعاقبة المسؤولين) يُفهم أنّ الوزارة غاضبة من موظّفيها، وسوف يسير التّحقيق لامحالة في اتجاه إدانتهم، وسواء كان ذلك رأيها بالفعل أو فقط من وحي اجتهاد الصّحافة، فهذا ما يتمّ التّسويق له إعلاميّا، و في كلّ مناسبة تقع فيها مصيبة من المصائب أستحضر أنّ هؤلاء المهنيّين يمارسون مهامهم في قطاع عام و بشكل غير سرّي وتحت أعين ومراقبة رؤسائهم المباشرين وغير المباشرين و مراقبة الهيئات الموكل إليها المراقبة من داخل الوزارة و من خارجها، وأستغرب كيف يتمّ تضييق دائرة الشّبهة والاتّهام بحيث لا تتّسع لغير المهنيّين الممارسين في عين المكان، مع العلم أنّ الوزارة أدرى بشعاب القطاع وأنّ المصيبة التي وقعت في ساعة معيّنة ليست وليدة تلك السّاعة أو السّاعة التي قبلها فقط، إنّما هي وليدة تراكم عشرات السّنوات السّابقة، ولا يجب أن تُسأل عنها الأيدي التي اقترفتها بل تتّسع دائرة السّؤال إلى كلّ العيون التي يُفترض فيها استشراف المستقبل واستباق الوقائع.

      ومن حقّ المهنيّ على الوزارة أن تؤازره حين يكون مظلوما بالعمل على إثبات براءته وإعلانها على العالمين؛ وذلك بالحرص على تحقيق إداريّ شفّاف ونزيه وبتمكينه من محاكمة عادلة، ومن واجبها كذلك مصاحبته ومؤازرته لكي لا يصبح (ظالما) بتنبيهه حين يقتضي الأمر ذلك، وبتوفير حدّ أدنى من الشّروط الضّروريّة للاشتغال في ظروف سليمة، مؤسّسة على ركائز مثل توفير الموارد البشريّة المكوّنة، والتّجهيزات اللّوجيستكيّة والبيوطبيّة الملائمة، والبنيات التّحتيّة، إضافة إلى القوانين المنظّمة، وما سُطّرت المعايير الدّولية المعتمدة من قبل منظّمة الصّحة العالميّة عبثا ولا من أجل سواد عيون المهنيّين، وإنّما وُجدت لسدّ كل المنافذ التي يمكن أن تؤدّي إلى الخطأ أو إلى الإهمال أو محاولة العبث، أو إلى كلّ ما من شأنه الحؤول دون تحقيق المرفق الصحّي للأهداف المسطّرة له.

      لا شكّ أنّ استفاقةً من حلم جميل تصيب كلّ مهنيّ بقطاع الصّحّة حين يصطدم بواقع معاش على الأرض بعد أن تشرّب تكوينا نظريّا يسبح في السّماء بمتعة وإيمان، ليطرح سؤالا مشروعا: هل يمكن أن نشتغل في هذه الظّروف  بدون خصومة مع الضّمير المهنيّ وبدون مشاكل محتملة؟ فيأتيه الجواب سريعا وبدون تردّد و من أكثر من جهة: نعم وبكلّ تأكيد يمكن الاشتغال بتلك الحمولة النّظريّة في هذا الواقع بدون حرج، والدّليل على ذلك تجده في التّاريخ و الجغرافيا، فالكلّ يشتغل هكذا منذ زمن وعلى امتداد التّراب الوطني، والسّفينة تسير بغض النّظر عن كيف ولكنّها تسير، فليطمئنّ بالك وإلّا فما عليك سوى البحث عن حرفة أخرى! قد يكون ذلك الجواب صائبا في زمن مضى، أما الآن وقد تخلّف قطاع الصّحّة عن ركب التّطوّر الذي يسير فيه قطاع العدالة، ويمتطيه الوعي الحقوقيّ العام، وترافقه تكنولوجيا الصّورة والخبر؛ فقد أصبح الممرّض يعيش باستمرار قاب قوسين أو أدنى من دخول السّجن، على الأقل من أجل الشّبهة في قضيّة قد لا يتجاوز إسهامه فيها جزءا واحدا من المائة.

      نظريّا أرى أنّ الوزارة طرف وشريك في كلّ ما يقع داخل أسوار مرافقها ولا يمكن أن تتنصّل منه وتخرج من دائرة المساءلة إلى مقعد الحَكَم او ربّما موقع الخصم، ولاستعادتها إلى مربّع المسؤوليّة على الممرّض والمهنيّ عموما أن يحمّل كلّ مسؤوليّة إلى المسؤول عنها في حينه وليس بعد فوات الأوان، ولا تأخذه في ذلك عاطفة و لا مجاملة، ويُشهد على ذلك شهودا ويوثّق ذلك ما استطاع إليه سبيلا،  لأنّ الخصومة الإداريّة أهون من الخصومة الجنائيّة، ولأنّه قبل ذلك كلّما اتّسعت دائرة المسؤوليّة انخفضت نسبة الخطأ، كما أعتقد أنّ المهنيّ شريك أساسي في المنظومة الصّحيّة وعلى الوزارة أن تعتبره كذلك وتعامله على ذلك الأساس.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*