Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الرئيسية » مواقف وأراء » حتى نحمي طفولتنا من تتالي فواجعها ؟؟

حتى نحمي طفولتنا من تتالي فواجعها ؟؟

      في الحقيقة،لا يستحق المغرب كدولة نامية إلا أن ترفع له كل القبعات،على الأقل في مجال حقوق الطفولة وحمايتها،ذلك لكونه كان سباقا للمصادقة على الاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الطفل وعلى بروتكولاتها الاختيارية،وكان سباقا لرفع تحفظاته على بعض موادها المتعلقة بأشكال التمييز بين الجنسين،وكان سباقا..وكان سباقا،بل وبذل ويبذل جهودا جبارة في شأن أجرأة وتنزيل هذه المقاربة الحقوقية على أرض الواقع وفي مختلف المجالات الصحية والتعليمية والقضائية والتشريعية..،وحقق في ذلك تراكما حقوقيا عز نظيره في مثيلاته من الدول،ونذكر في ذلك على سبيل المثال:إنجاز المدونة الحقوقية للأسرة،المقاربة الحقوقية في التعليم،برنامج المخيمات الوطنية بنكهة حقوقية “عطلة للجميع”،برلمان الطفل والمرصد الوطني لحقوق الطفل،برامج التلقيح وصحة الأم والطفل،قضاء الأحداث ومراكز حماية الطفولة وإعادة الإدماج…؟؟.

         ولكن رغم ذلك،لا تفتأ “التسوناميات” الإعلامية الهوجاء والمعارك “الفايسبوكية” الطاحنة،تقذفنا كل مرة بوابل من الأحداث الكارثية التي يذهب ضحيتها ويتجرع مرارتها بعض الأطفال وذويهم هنا أو هناك،ويتعاطف ويستنكرها كل الرأي العام الوطني والدولي،مما يعمم نشر السخط بكل الأشكال والأحجام والألوان، ويوحي على أن ما بين الطفولة المغربية والحقوق ما بين الجمل الضخم وخروجه من سم الخياط؟؟. فهذه الطفلة “إيديا” من تنغير تلقى مصرعها بسبب غياب جهاز “سكانير” في أقرب مستشفى إلى بلدتها،و”دعاء” من زاكورة تموت بسبب لدغة عقرب وغياب مصل ضد لدغات العقارب والأفاعي في المستشفى،وهذه “هبة” من علال البحراوي تلفظ أنفاسها احتراقا واختناقا بين شباك النافذة وجمهور الصارخين والمصورين والمبطئين من الوقاية المدنية،وهكذا الطفل “ياسين” في مكناس و “عمران” في البيضاء .. – رحم الله الجميع – كل يوم بالعشرات تحرش وعنف واعتداءات جنسية على البراءة من طرف الكلاب الضالة والذئاب المتوحشة من المدرسة والحي إلى الحافلة والغابة إلى مغارة سفاحي طنجة ومكناس وتارودانت،وفي كل بلدة سفاحيها؟؟.

         والحقيقة،أن هذه الفئة من الأطفال الضحايا تظل هي المحظوظة حتى في مآسيها مع الاهتمام الإعلامي والمعارك الفايسبوكية،وإلا فالأوضاع اليومية في الحواضر الآهلة وحتى في المناطق النائية أخطر مما نسمع ونرى،رغم الأمن العام؟؟،ورغم ذلك،فالأطفال ليسوا حالات استثنائية،فالكوارث و حياة بعض الفئات الاجتماعية توأمان لا تكاد تنتهي إحداها إلا بكارثة أفجع منها،فهذه  أمي “فتيحة” بائعة “البغرير” التي حرقت نفسها بقهر “القائد”،وهذه أمي “عائشة” تنتزع اللجوء السياسي والاجتماعي باعتصامها أعلى العمود الكهربائي ضد على السطو على أرضها،وهذه”سهام” عانت الأمرين مع ابتزاز القائد وعون السلطة في “الدروة”،وهذا شاب يضرم النار في جسده في احتجاج المعطلين أمام البرلمان،ومكفوف يقضي بسقوطه من سقف وزارة التضامن إلى الشارع..؟؟،ورياضيو طانطان الذين احترقت حافلتهم في الطريق،وجمعويو الجديدة الذين غرق بعضهم في الشاطىء،ومسافروا “إيجوكاك” الذين قضوا مجروفين في الطريق،وهؤلاء غرقى الهجرة،وهؤلاء مبهدلوا الحراكات الشعبية في الشمال والجنوب،وهؤلاء ضحايا الفيضانات والثلوج في الشتاء وحرائق الواحات والقلوب في الصيف،وهؤلاء..وهؤلاء؟؟.

         وحتى من يعمل بعيدا عن كل هذا وربما ضده أو يعمل جاهدا على الأقل للتخفيف منه،فهو الآن متهم بالتسبب والتسيب فيه،و هو – قياس الخير –  كهذه البرعمة التي قضت وفي قضائها قضاء وطن وأمة بين الشباك الحديدي ل”البلوكاج” وألسنة النيران الملتهبة ل”التبخيس” تؤججها بلطجية “التيئيس” أمام هواة تصوير الفواجع بالعبث وللعبث الإلكتروني،وأمام القعود والصراخ المجاني للحائرين والعاجزين والمنتظرين والمستنجدين والمشدوهين الذين فقدوا حس الوعي ورشد التفكير ونضج العمل وشرف المحاولة،مما يستدعي المراجعة العامة والشاملة للمسألة الحقوقية في البلد،وإعادة توجيه كل الهيئات الحقوقية التي تحاول حماية الوطن وانتشال المواطنين من الغطرسة والمظالم وعلى رأسها وزارة حقوق الإنسان و وزارة العدل والحريات والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وديوان المظالم ومؤسسة الوسيط والأحزاب والنقابات والجمعيات الحقوقية وغيرها من المؤسسات الشريكة،وإعادة لفت أنظار الجميع إلى سؤال جوهري قديم جديد ولكنه لا يحل ولا يموت وهو:” كيف يمكن حماية بلدنا و طفولتنا من فواجعها المتتالية،وتحسين عملنا وإنجازنا وتراكمنا وسمعتنا في هذا الاتجاه”؟؟.

         في الحقيقة،الحماية الحقوقية في الشأن الطفولي عندنا تعتريها العديد من الاختلالات مما يجعل ممارستها ومقاربتها لا تنتج في الغالب غير الكوارث العكسية وبالفئات والمجالات والإحصائيات،والتي تجعل من الموضوع الحقوقي في البلد ككل وكأنه يتقهقر أو يراوح مكانه ولا يتقدم والناس وكأنهم يعارضونه أو لا يصدقونه:

         1- هناك التناقض الصارخ بين بعض مواد المرجعية الحقوقية الكونية التي يتبناها المغرب دستوريا وهي وافدة،وبين مرجعيته القيمية التي يعيشها في الواقع وبعض جوانبها الراسخة بحكم بعض العادات والتقاليد الراكدة،ولا مخرج له من هذا التناقض المبطئ المقعد ولا قبول للمجتمع بهذه الكونية الحداثية إلا بقدر تحريرها مما يصادم معتقداته الدينية ولا يخدم هويته الحضارية،ولا يتسع المجال للتفصيل؟؟.

         2- الهوة الموجودة بين التنظير الشمولي للحقوق،الصحية والتعليمية والسكنية والقضائية والتشريعية..،وبين الممارسة المختزلة والمختزلة جدا في بعض الأحيان،إلى درجة قد يرى فيها البعض أن هذه الحقوق إذا سادت في بعض الحواضر أو تمتع بلغاتها و”ميدياها” بعض أبناء الذوات فهذا يكفي،أو أن ابن البوادي إذا تمكن فقط من حق التمدرس كيفما كان، فقد حيزت له كل الحقوق؟؟،وهو لا يحمد الله عليها،كونه يسأل مثلا عن “حق الوقاية والغوث عند الكوارث الوارد في المادة8″(حريق..لسعة..فيضان..ثلج..جفاف..عطش..حروب..مجاعة..) وهو الحق الفقري الذي يضمن حق البقاء والنماء ويعطي المعنى لثلثي الحقوق الأخرى المتمثلة في الحماية والرعاية؟؟.

         3- ضرورة اهتمام البرامج الدراسية بالتربية الحقوقية حسب المستويات،حقوق الله وحقوق العباد وحقوق الآباء والأبناء وحقوق الجار والحي وحقوق السائح والمستثمر المشغل والوطن والمواطن والبيئة والكون..،وفي نفس الوقت وبالتوازي ثقافة الواجبات،وغير ذلك مما تفرضه مختلف أنواع التربية،على المواطنة والسلوك المدني،التربية الفكرية والجسدية، والصحية والنفسية،البيئية والطرقية والجنسية والفنية والقانونية والمعلوماتية..الواقعية والافتراضية،وضمنها كذلك وبالقدر اللازم التعرف على الإسعافات واكتشاف التقنيات كيف تصنع ومما تتكون وكيف تعمل؟،ما هي إيجابياتها فنتمكن منها وما هي سلبياتها وأخطارها فنتجنبها،ورحم الله عهد بعض الموسوعات والمجلات البراغماتية “كيف ولماذا”؟،وبعض البرامج التربوية والإبداعية “المسلم الصغير” و”المخترع الصغير” و”الصحفي الصغير”و”تحدي المعرفة والقراءة والتصنيع”الذي كان يجد فيه الشباب ما يجد من المتعة والإفادة؟،وكفى من تخلف النفث في العين لتبرى ومن جهل الضرب فوق التلفاز ليشتغل..وكارثة الصعق الكهربائي وحرق الأجهزة الكهربائية الجديدة لكونها مضبوطة على توترات استعمال أقل من توترات المنابع وبدون محولات،وكفى من المقاربة الأمنية الضيقة تجفف المختبرات من أدوات ومواد العتاد التجريبي حتى يسود الجهل والتخلف؟؟.

         4- خلل قلة الجمعيات المهتمة بالشأن الحقوقي،و ضعف إدماج باقي الجمعيات للمسألة الحقوقية في أنشطتها تكوينا وتربية ثقافة ومناصرة ومرافعة ومواكبة،أضف إلى ذلك ما تتهم به بعض هذه الجمعيات الحقوقية من استرزاقها بالموضوع وتعبئة موارده المالية ومساعداته الخارجية لخدمة أجندة الطابور الخامس،و كل شيء من أجل ذلك مباح حتى الاستقواء على النظام بالتقارير الموازية المنحازة والكيل بمكيال الصمت وربما التحريض إذا تعلق الأمر بمظالم أطفال مناطق معينة وفئات اجتماعية معينة وكأنها ليست لا من المواطنين ولا من المظلومين ولا حتى من الإنسان،”وخلاص..شي وطن..وشي مواطنين”؟؟.

         5- ضعف و غياب المحاسبة والمحاسبة الجادة للمتسببين في الكوارث عامة وضمنها كوارث الطفولة وخاصة ما يتعلق بالثابت من مسؤوليات الدولة وليس ما يسطى عليه من الحيطان القصيرة وما يشد عليه من أكباش الفداء،فبعد الحوادث المفجعة للمصل ضد اللسعات و”السكانير” من أجل الفحوصات مثلا،هل تم تعميم انتشارها الآن في المستشفيات،وتشتغل بالجودة والجاهزية المطلوبة؟؟،وبعد كوارث الفقر والهشاشة وما تؤدي إليه من فواجع الاستغلال الجنسي والاقتصادي للقاصرين،هل تنخفض عندنا مظاهر الفقر والهشاشة والتيه في متاهات “التشرميل” والتطرف والإدمان والدعارة أم تزداد؟؟. 

         6- وأخيرا،هناك تعقيدات الأزمة الحقوقية وارتباطها بالأزمة المركبة والكلية للمجتمع،فلا يمكن أن يؤمن الكبار بحقوق الصغار ويحترموها وهم يرون أنهم هم أنفسهم الكبار محرومون من حقوقهم وكرامتهم،لا شغل ولا أجرة ولا زواج ولا سكن ولا جودة صحة ولا تعليم ولا..ولا..،قيل لأستاذ ابتدائي لا تضرب الأطفال،قال ألم تروني أنا بالأمس مع المتعاقدين في الشارع ضربوني ب”موسطاشي” ظلما وعدوانا،ضربونا الكبار وتريدونا ألا نضرب الصغار، لا يكف الكبار عن إهانة الصغار وإهمالهم وهم في جل الفضاءات والمؤسسات يتعرضون للإهانة والإهمال؟؟.

الحبيب عكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*