الرئيسية » مواقف وأراء » إعلام الإهانة

إعلام الإهانة

يتعرض سكان المناطق الجبلية الفقيرة التي تعرف تساقطات ثلجية كثيفة وبرودة قاتلة كل شتاء، إلى إهانة متعددة الأوجه كلما حلت بينهم قنوات القطب المتجمد العمومي، لتغطية عملية تقديم المساعدات لهم:

أولا: إن تقديم المساعدات لعدد كبير من سكان هذا الوطن يعني أنهم منكوبون في بلد مستقل يتوفر على مؤهلات اقتصادية واعدة، لا يعيش حربا ولا نزاعا ولا فيضانا ولا زلزالا ولا أية كارثة طبيعية أخرى، وهذا أمر يطرح أكثر من علامة استفهام. فكيف تتحول الأمطار والثلوج من نعمة مرغوبة ينتظرها الجميع بفارغ الصبر، وتقام لها الدعوات والتضرعات والصلوات إلى كارثة تعري واقعا مريرا يعيشه سكان القرى والمداشر المنتشرة على طول السلاسل الجبلية المغربية؟ إن هؤلاء السكان يقطنون فوق مرتفعات تستقبل ذاك الذهب الأبيض الذي يسري في جسد الأرض ليفجر الأنهار والينابيع والوديان التي تملأ السدود وتسقي الحواضر والضيعات، فكيف يتحول من ينام فوق كنز إلى متسول ينتظر الصدقة والمساعدات؟ لا شك أن الأمر يستدعي شيئا من المروءة والخجل أمام النفس بما يحتم على قنواتنا أن تنأى بنفسها عن جعل مأساة هؤلاء مادة إعلامية دسمة ومجالا للتبجح أمام العالم. فحتى حجم وقيمة ما يقدم إلى هؤلاء لا يستدعي ذلك.  

ثانيا: حرصا من صحافيي قنواتنا المحترمة على التقاط لحظة الفرح والغبطة والمشاعر الجياشة، يوقفون شيوخا ونساء ليسجلوا تصريحاتهم وثناءهم على ما قدم لهم في لحظة يحملون فيها الأكياس وتئن فيها أجسادهم المنهكة تحت الثقل الجاثم على أعناقهم، ولا يبدو أن تسارع الأنفاس وحالة الانفعال ناتجة عن الفرح بقدر ماهي نتيجة جلية لضنك العيش وهزالة البنية الجسمانية وكثرة المعاناة التي يلاقونها قبل بلوغ قافلة المساعدات. لكن الأدهى من كل ذلك هو أن الصحافيين يصرون في غالب الأحيان على أخذ هذه التصريحات، ليس بالأمازيغية التي يتقنها هؤلاء السكان، بل بالعربية أو الدارجة التي يخبطون فيها خبط عشواء، فيضفي عليهم ذلك مزيدا من مظاهر البؤس والبلاهة والغربة. غربة في وطن اختار لهم الموت الرحيم بجرعة مساعدات يتلقونها كلما اشتد الأنين.

ثالثا: كأنما لم يكف كل ما سبق من إهانة، فيحمل صحافيونا المغاور كاميراتهم الفتاكة فوق أكتافهم، ويداهمون بيوت هؤلاء العزل ليثخنوهم جراحا، ويجهزوا على ما تبقى من دماء وجوههم. يقتحمون بيوتهم دون أدنى احترام لحرمتهم، يصورون كل شيء ويقدمون على ما لا يتجرؤون أبدا فعله في بيوت الميسورين الذين ينعمون في خيرات المغرب النافع. يصورون كهوفا بئيسة تتوسطها مائدة خشبية صغيرة تحمل أكوابا من الشاي وبعضا من زيت الزيتون، يصورون نساء بأزياء متواضعة في بيوتهن لم يكن أبدا على استعداد لاستقبال زوار سيكشفون أجسادهن للعالم بأسره. يصورون أطفالا يغالبون الخجل ليحملوا لقمة الخبز الحافي بأياد مرتعشة إلى أفواه ازرقت بردا. يصورون مسنين فتك بهم القر والجوع يتحلقون حول النار، يلوكون لقمة مرة لا تكاد تسد الرمق. يصورون كل شيء دون وخز ضمير، وفي غياب أية ضوابط قانونية تحمي حرمة من تعرض صورهم للعالم.

        إننا لسنا ضد التضامن والتكافل فهذه قيم جبل عليها المغاربة منذ آلاف السنين، لكن بأي شكل يتم ذلك؟ وبأي صورة يقدمه إعلامنا للعالم؟ هل بحثت الدولة عن حل لهؤلاء؟ هل استنفذت جميع الإمكانات والسبل قبل أن تفكر في تقديم الصدقة لهم؟ لماذا تمنح الأراضي بعشرات أو مآت الهكتارات لخدام الدولة في طي الكتمان، أليست تلك مكافآت لمن أسدوا خدمات جليلة للوطن؟ ألم يكن من الأجدر أن تقدم لهم علنا وفي حضور وسائل الإعلام الوطنية والدولية عرفانا لجميلهم؟ أم أن أبواق الدعاية المهينة تليق فقط بمن يستلم بعضا من الزيت والدقيق الذي سينفذ في بضعة أيام! هل نحن فعلا في حاجة إلى تقديم الصدقات أم إلى توزيع عادل للثروات؟ أظن أن الأمر لا يحتاج إلى الكثير من التحليل والتوضيح. لذلك ندعو صحافتنا إلى التحلي بأدنى قيم وأخلاقيات المهنة في التعامل مع مواطنين لم ينصفهم الحظ في هذا الوطن، هم أناس طيبون حد السذاجة أحيانا مما يجعلهم يستقبلون من يهين كرامتهم بالابتسامة والصدر الرحب، لكن لعن الله الفقر والجهل الذي أقعد أسودا لتتراقص على أجسادها القرود.    

عاشور خالص،

09 يناير 2018

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*