الرئيسية » مواقف وأراء » هل أنهى الحراك الشعبي صلاحية الأحزاب المغربية ؟

هل أنهى الحراك الشعبي صلاحية الأحزاب المغربية ؟

مولاي نصر الله البوعيشي

         أصبحت مواقع  التواصل الاجتماعي  وسيلة ناجعة ومتاحة  بين يدي الشباب المغربي  للإعلان عن رأيه وبلورة مطالبه  المرتبطة  بالقضايا الجوهرية و المصيرية للشعب المغربي ، كما أصبح  ” فايس بوك ” وسيلة ناجعة  وآنية  وغير مكلفة ماديا   لفضح الفساد  والمفسدين  بالصوت والصورة، ومنبرا  للدعوة لتنظيم الحركات  الاحتجاجية  للتعبير عن  مطالب محلية او إقليمية  أو وطنية  . هذه الطفرة في وسائل الاتصال والتواصل وامتلاك الشباب لناصية التكنولوجيا المعلوماتية  الحديثة التي توفرها الهواتف الذكية والبرانم المعلوماتية بلغة تواصلية  شبابية  جديدة ،  حيدت دور الأحزاب التقليدية و جعلتها عاجزة عن  مسايرتها وعلى الاستفادة من إمكانياتها لتعبئة ما تبقى من أتباعها ومريديها .

          قبل عقدين أو ثلاثة  وقبل  هذه الطفرة المعلوماتية ، و حتى   قبل ” الربيع العربي” ،  عرف المغرب مسيرات وانتفاضات دعت إليها  أحزاب ونقابات ،  قوبل بعضها بالحديد والنار  والسجون والمحاكمات  (1981-1984…) أما اليوم فإن الاحتجاجات تجري خارج سيطرة القيادات الحزبية  والنقابية.

   لا شك أن الاحتجاج يحتاج إلى قيادة  قوية نابعة من صميم الشعب قادرة على  جعل  الحاكمين  يقتنعون بأنهم لا يستطيعون  أن يستمروا في تجاهل مطالب الشعب المغربي وفي  مقدمة هذه المطالب  محاربة الفساد والمفسدين وإقرار قضاء نزيه ومستقل ،  ولكن بعض  احزابنا ونقاباتنا أو ما تبقى منها ،  لم تعد  قادرة على رفع مشعل هذه الزعامة ، وتنصلت  عن  مسؤولياتها في المشاركة  والتنظيم والقيادة ، بل  وإن بعض هذه الأحزاب تعاملت مع حركة الناس العفوية بعقلية الماضي التشكيكية، القائمة على أن أي حراك لا يقوده الحزب عليه علامة استفهام؟؟؟. وبالتالي يتعين عليها  أن تعترف بأنها  فقدت إشعاعها و بريقها الفكري و السياسي  بانتفاء سبب  وجودها  الناتج عن   الهوة السحيقة بينها  وبين الشعب وفي مقدمته الشباب ، وذلك  جراء التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع المغربي والتي  أتاحها الانفتاح على العالم الخارجي وسرعة انتشار المعلومة التي جعلت من العالم بقعة صغيرة ، وبسبب  تنامي نشاط جمعيات المجتمع المدني وتنوع  مجالات تدخلها وقربها المباشر من الموطنين وهمومهم ومساهمتهم في تسييرها وتدبير مواردها  ومصداقية العدد الكبير منها من جهة ،  و عزوف المثقفين  المغاربة عن العمل السياسي خوفا من تلطيخ سمعتهم،   و تخلي الأحزاب عن دورها في توعية وتأطير وقيادة نضالات الشعب مقابل البحث الحثيث عن السلطة والنفوذ والمال والجاه  ، وتمييعها للعمل السياسي بوتورطها  المباشر وغير المباشر في الفساد بشتى اشكاله وأنواعه من جهة أخرى . و كنتيجة حتمية  لكل ذلك أضحت غير  قادرة على احتكار “النضال”.

       وبناء عليه يمكن  الجزم بأن الاحزاب قد فاتها “القطار” و أصبحت متجاوزة ولم يبق لها سوى  أن ” تدفع السوارت” وان تكف عن معاكسة طموحات الشباب والدفاع عن الفساد والمفسدين،  وتترك الميدان   لهذا الشباب الذي لا يبحث عن زعامات ولا يبحث عن مصالح آنية وخاصة،   ولا يتبنى سوى ايديولوجية واحدة : الدفاع  عن المظلومين والمحكورين من أبناء وبنات هذا الشعب ، و يضحي من اجل ذلك بماله ووقته،  رغم الحاجة والعوز الناتجة عن البطالة وعن عدم التوزيع العادل لثروات البلاد.

         في رأيي ، فإنه  لم يعد للأحزاب وجه للظهور في مثل هذه المسيرات لأنها بصراحة ساهمت في تكريس واقع الإستبداد والفساد والظلم والتهميش والحكرة . و كان لزاما  عليها – باعتبارها ممثلة للشعب-  أن تكون سباقة للجهر  بهذه المطالب  في مختلف مواقعها  البرلمانية والجماعاتية والإقليمية  و الجهوية،   سواء  أكانت في موقع المعارضة أو في موقع التدبير والتسيير ،  خصوصا  وأن مطالب المغاربة ليست تعجيزية ولا تتطلب الاقتراض من الخارج بل لا تتعدى:  توزيعا عادلا لثروات البلاد و قضاء نزيها  قادر على محاربة الفساد واقتصاد الريع ، و  وضع حد للإفلات من العقاب .

 و لكن يبدو لي  أن سياسيينا  “المحترمين” لم يستوعبوا الدرس ، فهم منشغلون بالصراع  حول  خلق الفصائل والدروع والأجنحة  أو احتلال المراكز المتقدمة في مكاتبهم السياسية و في ” طحن” بعضهم بعضا باستعمال جميع الوسائل بما فيها الدنيئة  والخسيسة  والتنازل عن المباديء الشريفة التي ضحى  من اجلها الزعماء الحقيقيون  بحرياتهم وأرواحهم ،  للظفر بحقيبة أو مقعد  يقرب من ” الكعكة الكبيرة “.

    وجاءت  المسيرات الشعبية لتؤكد عدم ثقة الشعب  في هذه المؤسسات الصورية المسماة زورا وبهتانا  ” ديمقراطية” ولتؤكد  كذلك على عدم الثقة في هذه القيادات الحزبية والنقابية  الحربائية التي لا هم لها سوى اللهاث وراء الحقائب والكراسي والامتيازات التي  يدفع الشعب ثمنها من عرقه ودمه ، ولو تطلب منها ذلك  المباركة و التصفيق   لسياسة  الهروب الى الامام  و التسويف  والقمع وتغليب الهاجس الأمني وتزكية ما  يسمى ب”الحوار الاجتماعي”   المغشوش من أجل فرض سلم اجتماعي  لامتصاص غضب الجماهير المتضررة ولجم الحركات  النضالية  الشعبية .   

      وإن تقييما أوليا لهذه  المسيرات الشعبية  باعتبارها شكلا من  أشكال الاحتجاج الحضاري يبين أنها لا تقلق راحة القائمين على الشأن العام ولا تشغل بالهم  ، فباستثناء تحركات الاجهزة الأمنية وعسكرة مناطق الاحتجاج ، وباسنثناء  تغطية إعلامية رسمية محتشمة وغير موضوعية  فإن المسيرات الشعبية  تقابل بتجاهل تام  ، ولا يرى فيها الحاكمون  تهديدا لكيانهم ولا ناقوس خطر  ينبههم  لمراجعة سياساتهم وطرق تدبيرهم  . كما أن  هذه المسيرات لم  تحدث  التغيير المنشود على أرض الواقع ، ولم  تؤد إلى تحقيق أي  مكسب يذكر ،  اللهم  إذا استثنيا الركوب عليها و محاولة  استغلالها من طرف  البعض من اجل مصالح حزبية أو شخصية أو تنظيمية . أو استغلال  سلميتها   من طرف الدولة للظهور أمام العالم بمظهر الدولة  التي تحترم حقوق الإنسان وفي مقدمتها حق التظاهر والاحتجاج السلمي  ، غير هذا فان المسيرات الشعبية سواء الكبرى في البيضاء والرباط او الصغرى  في المدن المتوسطة و الصغيرة والمداشر البعيدة  لم تؤد  الى تحقيق أي مطلب من المطالب التي تصدح بها حناجر المحتجين  ؟    

              فهل هذا يعني ان هذه  المسيرات التلقائية  ليست وسيلة كافية لتحقيق المطالب وبالتالي  يجب  استبعادها تماما من إستراتيجية الاحتجاج  ؟ وهل  هذا يعني كذلك ان  “بعض المسيرات” مفبركة ومخدومة   يتم تحريكها -عندما يشتد الغليان – لامتصاص غضب الشارع المغربي ؟ وهل يمكن أن نستنتج أن المسيرات التلقائية/ الشبابية  وحدها  بدون قيادة  حزبية  أو نقابية باعتبارها وسيطا بين الشعب والحاكمين ،  لا يمكن أن تؤدي إلى  تحقيق المطالب المشروعة للشعب ؟  و هل عدم مشاركة الأحزاب ك ” وسيط” رسمي معترف به مقبول عند دوائر القرار ، هو سبب فشلها في الضغط على الجهات الحاكمة الفعلية للاعتراف بحق الشعب المغربي  في العيش بكرامة وحرية وطمأنينة ؟.

     إن استمرار الدولة بكل مكوناتها ومؤسساتها في الاستهانة بالاحتجاجات الشعبية السلمية الوطنية والسليمة من  أي مظهر  من مظاهر الفئوية والطائفية و العرقية و القبلية ،  وعدم استقوائها   بأية جهة خارجية  ، في   تجاهل مطالب الشعب في رفع  التهميش والحرمان والإقصاء ، ستكون له عواقب وخيمة إن عاجلا أو آجلا ، يجب أن  نحذر منه وأن نعمل على تجنب مآل الحراك الشعبي في دول الربيع العربي ، هذا إذا كنا فعلا  نريد مغربا ديمقراطيا وقويا قادرا على ضمان الكرامة والحرية لمواطنيه .

             إن الاستقرار   يتطلب إجراء  إصلاح سياسي عميق وجذري يمس البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية  برمتها ، وليس مجرّد  روتوشات وإجراءات شكلية وسطحية  لتهدئة الأوضاع حتى  تمر الزوبعة وبعدها ترجع ” حليمة إلى عادتها القديمة “.

   حذاري،  فإن لصبر  الشعب حدودا ، وإن ” الاستثناء  المغربي ” ليس قدرا محتوما !!!!.

             

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*