Oops! It appears that you have disabled your Javascript. In order for you to see this page as it is meant to appear, we ask that you please re-enable your Javascript!
الرئيسية » أقلام من أزيلال » أزيلال…جبال ثائرة تتزين كفنا

أزيلال…جبال ثائرة تتزين كفنا

أزيلال، منطقة جميلة، نعرفها جميعا، بطبيعتها الخلابة، وشلالاتها الأخاذة، وسدودها، وجمال جبالها الأبية، وعادات أهلها العريقة، وتاريخ مقاومتها للاستعمار، وبعد ذلك للاستبداد…

أزيلال الجميلة، هي نفسها أزيلال التعيسة، وتعاستها لا تخفى أيضا على أحد، وفي نفس الوقت تخفى على الجميع…

إطلالة على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014، تتيح لنا استقراء معطيات كارثية، لكن الواقع أكثر كارثية من الأرقام…

نسبة الذين لا يعرفون القراءة ولا الكتابة تبلغ 47.6 في المائة، المستوى الدراسي منعدم بالنسبة ل 51.2 في المائة، و فقط 4.7 لديهم مستوى ثانوي، وأقل من 2.7 بمستوى جامعي…

نسبة الساكنة النشيطة 43.6 في المائة، نسبة الذين يعيشون في سكن قروي (غالبا غير لائق) 52.6 في المائة، 17 في المائة دون كهرباء، 20 في المائة بدون تلفاز، و 93 في المائة بدون أنترنيت، و89 في المائة لا يمتلكون حاسوبا…

هذا بلغة الأرقام، أما إن قررت يوما أن تزور بعض الدواوير النائية بالإقليم، في آيت عبدي وايت بوكماز وزاوية احنصال وايت بلال، ومناطق أخرى، فكن متيقنا أنك ستكفر بهذه المعطيات، وإن كنت حساسا وإنسانيا بجرعة زائدة، فلا أنصحك بزيارة دواوير نائية، حيث الغياب التام للطرق، انعدام الكهرباء والماء الصالح الشرب، فلاحة هشة، فقر مذقع، سكن غير لائق، مدارس قليلة ومهترئة، مستوصفات بندرتها، تحولت إلى أطلال…

تصور معي، في 2016، مازال هناك طفل يحلم بحذاء بلاستيكي وبذلة جديدة، وليس لدى والده ما يكفي من المال ليحقق له أمنيته، وأسر كثيرة تضطر لإذابة الثلوج لكي تشرب، وأخرى شاءت الطبيعة أن تقطن بدواوير تتمنى لو كانت محظوظة مثل مناطق الثلج، على الأقل ستجد ثلجا تذيبه لتروي عطشها، وربما كانت ستعفى من قطع كيلومترات على متن حمار مأساوي لجلب ماء للشرب، هو أصلا غير صالح للشرب…

تصور معي، في 2016، هناك أطفال يحلمون بالمدرسة، ولكن ليس لدى أسرهم ما يكفي من الإمكانيات لاقتناء لوازم مدرسية، وآخرون يغادرون باكرا، لأن المدرسة بعيدة، ولأن الثلوج تقطع الطرقات (ليبيست) لشهور شتوية، والكثير من القرويين يراجعون دروسهم ليلا ببصيص نور، ينبعث من “شمعات” تحترق بسرعة مثلما تحترق آمالهم…

تخيل معي، على الأقل حاول… طفلا يموت بسبب لسعة عقرب، لأن الحادث وقع ليلا، والطريق لا تسمح بمرور سيارة الإسعاف، وسيارة الاسعاف ليست متوفرة أصلا، وامتطاء الحمار للوصول إلى أقرب مستشفى، يتطلب ساعات، وحينما تصل، يخبرك الطبيب أنهم لا يتوفرون على مصل، فتبحث عن سيارة للتنقل إلى بني ملال، وفي منتصف الطريق تصير السيارة مأتما…

حينما يتحد الفقر مع الأمية، ينتصران على الإنسان وكرامته…

هناك أسر ماتزال تلصق فوق عتبات منازلها الطينية، ورقة صغيرة تكتب عليها تعاويذ، يأملون أن تحميهم من سم العقارب والأفاعي، وهناك آباء أميون يقصدون فقيه الدوار، ليتلو آيات بينات على الطفل الذي تعرض للسعة أفعى، فيموت، فيحاول الفقيه التخفيف عن والديه بتلاوة آية “ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها، والله خبير بما تفعلون”…

تصور، وتخيل، وتمثل… ومهما أتقنت مخيلتك تحويل الكلمات إلى صور وأحاسيس، لن تستطيع، إلا إذا عشت هناك…

أسر تعاني، تموت ببطء، تحترق، بدون مأوى ولا مستوصف ولا طريق ولا أي شيء…

هذا يحدث في إقليم غني بثروته البشرية، كخزان لليد العاملة (خصوصا عمال البناء)، و الجنود المرابطين بالصحراء، أزيلال، عاصمة الماء حيث تتوفر على ثلاثة سدود، منها سد “بين الويدان” الذي ينتج عبر محطته الكهربائية 600 مليار كيلواط/ساعة، وتعتبر هذه المحطة، الثانية في المغرب من حيث انتاج الطاقة الكهربائية، دون الحديث عن الفلاحة وتربية الماشية والمناجم…

أما الثروة المائية الهائلة، فلا تفيد الإقليم بشيء، بل تصب في ضيعات إقطاعيين بسهول بني ملال وتادلة وخريبكة وقلعة السراغنة، لهذا لم يتوانى رجل مسن في وصف أزيلال ببقرة حلوب، يمسك السكان بقرونها، ويحلبها آخرون خارج الإقليم…

هذا يقع في أزيلال الشامخة، التي عرفت أول انتفاضة شعبية في مغرب “الاستقلال الشكلي”، وبالضبط في مارس 1960، بقيادة القائد الممتاز البشير بن التهامي، والمذكوري وبوكرين وحدو أومحى وموح اولحسن احنصال وزايد أكودي وحسن بن محمد العريبي وآخرين…

هذا يحدث في أزيلال المقاوم والمناضل الأممي اليساري الفقيه البصري، ومقاومين أشاوس من طينة حمان الفطواكي واحمد الحنصالي، واللائحة طويلة…

هذا يقع في أزيلال، التي قاومت الاستبداد بعد الاستقلال، فصنفت ضمن الأقاليم الأولى وطنيا، فيما يخص عدد ضحايا سنوات الرصاص، وجماعة “ايت ماجضن” لوحدها ضمت العشرات من الضحايا…

كل هذا يحدث في عصر “التي جي في” و”الترامواي”، والفضاءات الخضراء، والطائرات الخاصة، والبنايات الشاهقة، والقصور الفخمة، ومدارس البعثات، والمصحات، والكاباريهات، والفنادق الأسطورية، وكل ما لذ وطاب من مأكولات وخدمات عابرة للقارات…في المدن الكبرى طبعا…

مادام هناك فقر وأمية، ستستمر المعاناة، وستتفاقم الأزمات، مادامت هناك فوارق طبقية، سيستمر الظلم، وسيموت طفل بالبرد القارس هنا، وآخر بسم الزواحف هناك، وامرأة فور ولادتها في منزلها الطيني، والكثير من الفقراء بسبب الثلوج، وغياب البنيات التحتية…

لهذا، لن نستغرب وجود مسن يعيش الى اليوم بأزيلال، يبلغ من العمر أكثر من 90 سنة، أمي، لكن حظيرته مليئة بالخرفان… الرجل هو أقدم رئيس جماعة في المغرب، دخل غمار الاستحقاقات الجماعية منذ 1960، ترشح باسم الحركة الشعبية وانتصر، ترشح باسم الاتحاد الاشتراكي ونجح، واليوم يترشح وكيلا للائحة الأصالة والمعاصرة وسينجح…

ولهذا نجد في أزيلال بعض المقدمين والشيوخ برتبة عقيد، ولهذا نجد أعمدة الكهرباء وسط شارع، و دارا للطالبة أنجزت وأقفلت، ومشاريع وهمية، وسوء تدبير، ولهذا نجد الكثير من رؤساء الجماعات أميين، تلتصق مؤخراتهم بالكراسي السمجة لعقود، ولهذا نجد برلمانيين لا يعرفون لماذا هم أصلا هناك، غير الحصول على أجور مهمة، وتقاعد مريح، ومشاريع بطرق ملتوية، وحماية مصالح نتنة…

سيأتون ككل انتخابات، وسيقولون لكم: “سنبني الطريق السيار، والمستشفيات المتعددة الاختصاصات، ودور الشباب، والمدارس… وسنغير حياتكم إلى الأفضل…”

ولكنهم يتحملون ربع المسؤولية فقط، لأنهم فقط كذبوا، فهم لا يملكون مفاتيح لمشاكل مستعصية، والذي يتحمل حصة الأسد من المسؤولية هي الدولة، بحكوماتها المتعاقبة وبنظامها وبمنتخبيها المحليين، وبمسؤوليها في كل القطاعات…وأنتم أيضا تتحملون جزءا غير يسير من المسؤولية…

تنمية الإقليم وإنقاذ فقرائه، لا يتعلق بالانتخابات فقط، بل بإرادة الدولة، بمحاربة الفساد والاستبداد، لتحقيق عدالة ترابية، وتقزيم الفوارق بين الجهات، وبين المدن والقرى، وبين الأغنياء والفقراء، الأمر يتعلق بتوزيع عادل للثروة، بنهج سياسة واضحة وعادلة في كل المجالات، ليأكل الجميع، ويدرس الجميع، ويسكن الجميع، ويعيش الجميع عيشا كريما…فالمشكل بنيوي والحل إذا بنيوي…

لهذا ولهذا ولهذا… يجب مواصلة توعية المواطن المقهور و”المحكور”، ليعرف حقوقه كما واجباته، والاستمرار في النضال بكل الأشكال، لتحقيق تنمية مندمجة ومستدامة، وضمان العيش الكريم والعدالة الاجتماعية لأبناء أزيلال، وفقراء المغرب أجمعين…

عمر إسرى، إعلامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*