الرئيسية » بريد القراء » الأمل المفقود

الأمل المفقود


الأمل المفقود

لم تكن فاطمة تحلم بشيء غير الانجاب حتى فقدت الأمل لولا جارتها التي نصحتها بزيارة سيدي بوشعيب، الفقيه الخبير بشؤون الناس وأمراض النساء. جربي حظك.. قالت لها جارتها فقد كنت مثلك وعلى يديه أنجبت أبنائي الثلاثة، ورابحة أيضا لولا سيدي بوشعيب لماأنجبت ولديها.. إنه يداوي العقم لم تزره امرأة أبدا إلا وأنجبت بعد ذلك.

ترددت فاطمة كثيرا لكن رغبة الأمومة لديها أقنعتها بضرورة الزيارة، لم لا أجرب حظي أنا أيضا؟ قالت فاطمة مخاطبة نفسها، وما المانع مادامت التجربة قد أثبت أنه قادر على تخليص النساء من شبح العقم والتهديد بالطلاق.

عادة.. سيدي بوشعيب لا يسأل زبائنه عن سبب الزيارة، فخبرته تعينه على قراءة حاجة زائره من خلال تقاسيم وجهه، ثم إنه أصبح محجا لكل نساء القبيلة والقبائل المجاورة، بل إن بعض العائلات انتقلت للعيش في قبيلة الفقيه الذي أدخل الفرحة للعديد من البيوت.

كغير عادته سأل فاطمة عن سبب زيارتها فهي امرأة لا تُقرأ تقاسيم وجهها، إنها يقِظة تتعقب النظرات الموجهة إليها وحتى تلك التي تسترق النظر خلسة كنظرات الهادي المساعد الخاص لسيدي بوشعيب ”عطاي الدراري”. إنه كائن غريب تجمع هيأته وسلوكياته بين كل المتناقضات، جسم قوي وبلادة صارخة، جلباب أبيض ورائحة كريهة، توَدُّد في الكلام وعيون شرسة.

توالت زيارات فاطمة لسيدي بوشعيب، فقد أذعنت لشروط الحصص التي تخضع لها الراغبات في الإنجاب بالموازاة مع تناول بعض الأدوية المصنوعة من الأعشاب والطحالب، وهي حصص دورية تؤتي أكلها في الشهر الأول أو الثاني أو الشهر الثالث على أبعد تقدير. إلا القليلات من لم يتحقق حلمهن في الإنجاب وهي حالات ميئوس منها.

أنجبت فاطمة ابنها الأول، اقترح له الفقيه اسم مبارك لكنها رغبت عن هذه التسمية وفضلت اسم سمير الذي أصبح عمره أربع سنوات ويسأل أمه عن أخته سميرة المتواجدة في بطنها متى ستخرج لتشاركه اللعب، هي الأخرى جاءت بفضل بركة سيدي بوشعيب الفقيه والولي الصالح والأب الروحي لأغلب أبناء القبيلة.

متكئة على حائط الضريح… تستعيد فاطمة ملامح أطفالها، إنهم يشبهون بعض؟ تتأملهم وهم يلعبون في فناء الدار، إنهم إخوة والشبه بين الإخوة طبيعي، لكنهم أيضا يشبهون بعض أبناء القبيلة. لم يعد الدمع يُسعفها فقد جفّت مآقيها وصارت تستعيض عن الدمعات بآهات ونبش في التراب دون جدوى… شيء بداخلها يخبرها بما لا تطيق سماعه.. لكنه يرغمها على إرسال زوجها لزيارة الطبيب، صوت لا يفارق سمعها، إنه مزيج من الأنين والبكاء والعويل ينفطر له قلبها.. لكنه لم يمنعها من الإلحاح على ضرورة عيادة الطبيب.

جربي حظك.. عبارة تتذكرها فاطمة جيدا إنها الخيط الذي يربطها بالماضي. أَيُ حظ هذا الذي جرَّبته؟ أَيَ حظّ هذا الذي سأجربه؟ تُمرِّغ وجهها بالتراب حينا وكأنها تحاول سدى أن تستنشق رائحة تعرفها، وتنبش في الأرض آخر وكأنها تقوم بحفر في ذاكرتها عن سر يربطها بهذا المكان الذي أدمنت على زيارته منذ سنين والجلوس على حائط هذا الضريح دون الدخول لزيارة الموارى تحت القبر المتواجد داخله. وبحركات هستيرية استمرت فاطمة في طقسها المليء بالرموز: بين دعوة وتساؤل، وتمرغ ونبش، وحفر في الذاكرة المكلومة إلى أن أسعفتها.. فدخلت في إغماءة حققت لها الحلول في الماضي. لكنه حلول ترافقه همسات النساء اللواتي عقدن موعدا سنويا مع ضريح سيدي بوشعيب -مانح الأطفال- وزيارة فاطمة التي تُنصب لها الخيام وتُهيأ الظروف الملائمة لطقسها الذي تتعقب النساء الزائرات تفاصيله لفك طلاسم علاقة الضريح بقبيلة أولاد سيدي بوشعيب وسر فاطمة الذي تحفظه ذاكرتها ولا تتذكره هي..

ترحل فاطمة عن المكان وتعقد موعدا مع الزمن.. بينما يتزايد عدد الوافدات بحثا عن الولد كل سنة.

بقلم الكاتبة : أمينة قسري أستاذة بثانوية سد بين الويدان أفورار

لا تعليقات

  1. الأستاذة أمينة ، رسالتك وصلت ، لكن قليلات من النساء قد يفهمنها ، كما أنه كان جدير بك للتوضيح أكثر تصحيح التسمية ( مولاي بوشعيب عوض سيدي بوشعيب )حتى تتضح الرؤيا أكثر، ، و بيت القصيد يكمن في تانيب الضمير ، الرغبة الدفينة في أن يجري الزوج الفحصوصات الطبية للتأكد من الشكوك، من العقم .

    الأمومة شيء نبيل ، لكن هناك الكرامة .

  2. تحية أخوية من العقيد،
    حكيٌ مستوحىً من الواقع ، في قبائل كثيرة يوجد بها “عطاي الدراري” الخاص بها . وهذه البركة”الخاصة” أوتيَها نماذج كثيرة من بوشعيب هذا في جميع البلاد العربية. ويكون الجهل والأمية واليأس وبعض العادات الموروثة وقبلها العامل الاقتصادي عوامل مجتمعة لخلق مناخ يبرز فيها أمثال بوشعيب ومريدوهم من النساء خاصة.
    وتبقى فاطمة نموذجاً للمغرر بهن ، وراء كل واحدة ما يدفعها إلى زيارة بوشعيب ، في الغالب ولد يحميها من الطلاق أو يضمن لها نصيباً أوفر من الإرث إذا كان الزوج غنياً.
    “عطاي الدراري” أو “عطاي الزواج”أو عطاي القَبول”أو عطاي حاجات أخرى أشخاص سيستمرون في امتهان بركة العطاء طالما هناك من يعيدونهم ويراجعونهم . أشخاص يستغلون ضعف الزائرات ، غالباً ما تتم مضاجعتهن بعد إغمائهن تحت ثأثير ما يُقدم لهن من مشروب معين ، وتتم العملية تماماً مثلما يحصل في مجتمع السباع ، الجميلات لبوشعيب والأخريات لخادمه. ويصح القول إنهم جميعهم يتبادلون المنفعة.
    رحيل فاطمة لن يغير شيئاً لحال نساء القبيلة ولا لحالها حتى ، خاصة إذا رحلت رفقة زوجها وطفليها اللذين أنجبتهما ببركة بوشعيب أو خادمه أو هما معاً. فشبح مفزع سيضل يرافقها كلما نظرت إليهم.
    إذا كان أمل نساء القرية هو إنجاب الأولاد ، فإن أمل بوشعيب وخادمه هو تزايد العاقرات ، وإن أملنا نحن هو أن تنمحي هذه الظواهر الاجتماعية.
    حذار يا أستاذة ، مثل هذه الكتابات ينبغي أن تُـذيل بعبارات : حكي من نسج الخيال ، أتمنى ألا توجد قبيلة اسمها أولاد السي بوشعيب ويقوم رجالها بتطليق زوجاتهم وتكونين السبب في تشريد أطفالهم الذين يشبه بعضهم بعضاً.
    مع تحيات العقيد.

  3. أنا لا أدافع عن الأستاذة أمينة ولا أعرفها حتى ، أشكرها على إثارة هذا الموضوع . سيـدي أو مولاي في ثقافتنا شيء واحد ، عبارة نستعملها ونحن صاغرون أمام هؤلاء الأسياد والموالي . الأمر ليس متعلقأ بالمسميات ولا بتأنيب الضمير ، فهو لا يجدي نفعاً بعد الفعلة ، وإنما ينبغي العمل على التحسيس والتوعية لعدم تعاطي هذه الممارسات . ثم عن أية رؤيا تتحدث يا Abdou ؟ نحن يقظون ولا نحلم ، أوَ تقصد الرؤية ؟
    أتمنى أن يكون هذا الموضوع عنواناً لحلقة نقاش تحت إشراف اللجان المؤسسية حتى تتسع دائرة الفائدة ، فتلميذات اليوم هن نساء الغد ولا نرضى لهن ما اقترفته نسوة قبيلة السي بوشعيب في حق أنفسهن وأزواجهن وأطفالهن ، إنني أتذكر أن كان هذا موضوعاً لحلقة نقاش في ثانويتي وأنا لا أزال تلميذاً في مستوى الباكلويا سنة 1980.
    الشيء الذي لا يروق لي هو العنوان الذي اختارته الأستاذة أمينة ” الأمل المفقود” ، فما دامت النسوة يحققنه ببركة بوشعيب وخادمه ، فهو محقق لا مفقود . ثم لو كنت مكانها ما جعلت فاطمة ترحل ، ولكنني سأجعلها تقتل بوشعيب وخادمه وتحرق الضريح قبل أن يولد لها الطفل الأول ، أملاً في وضع نهاية لهذه الظاهرة ولو على مستوى القبيلة.
    شيء كهذا كانت الكنيسة تمارسه في القرون الماضية ، وهذه طبيعة بعض البشر ، فعندما يضعون هدفاً معيناً في حياتهم يعملون على تحقيقه ولا يبالون بأشياء اسمها الكرامة والأخلاق والضمير.
    على كل سيظل بنيان الضريح قائماً ، ولن يبرحه بوشعيب وخادمه طالما هناك ضحايا الأمل يراجعونهما.

  4. أخي العقيد بدون نياشين و لا تكوين عسكري ، تعليقي كان موجزا و واضحا وضوح الشمس لكوني أصلا ضد الخزعبلات و المعتقدات ، فالله عز وجل وحده يمتع خليقته بالذرية أو يحرمها منها، و الأستاذة امينة أثارت موضوعا حساسا – مشكورة – ولكل واحد منا أن يعبر و يعلق مادمنا جميعا نتفق على حقيقة واحدة ألا وهي : الكرامة ، والأستاذة أمينة كانت جد ذكية حينما عنونت موضوعها ب: الأمل المفقود … تركتنا لنقرأ ما بين السطور .

    أما عن الرؤيا ، فالكل حالم هنا و لابد لنا من يقظة و صحوة ضمير .

  5. إلى السيد Abdou:
    لست حاملاً لنيشن ولا لرتبة عسكرية ، فقط هذا اسم مستعار اخترته وأنا حر في اختياراتي وتفكيري واعتقادي . يا سيدي كلمة “عقيد” تعني في اللغة العربية بعيداً عن العسكر : الحليف أو الكريم أو القريب ، فلا تذهب بظنونك إلى ما لا أقصد.
    لم أفرض عليك رأيي ولم أنعث الأستاذة بالغباء ما دمت قاطعاً بذكائها ، أنت تتناقض عندما قلت : “رسالتك وصلت” ثم قلت : “كما أنه كان جدير بك التوضيح أكثر… ”
    مع تحيات العقيد.

  6. أخي العقيد ، أنت وقفت عند : ويل للمصلين ، ولم تكمل الاية الكريمة … حقا ، قلت : رسالتك وصلت … استوعبتها كما استوعبتها انت و غيرنا ، لكن وفي نظرك هل كل من قرأ الموضوع يكون قد أدرك المغزى ؟ لا أظن ذلك مع احترامي لجميع رواد البوابة المفيدة ، وكل منا أدلى بدلوه .

    أخي العقيد ، الشعودة تبقى شعودة ، و أحيانا تؤثر في ضعاف الشخصية .

  7. تحية عطرة للدكتورة “مينة قسيري” على هذه القصة الرائعة والمثيرة للجدل والتي أماطت اللثام عن سلوكات واعتقادات يذهبن ضحيتها نساء مكلومات فاقدات الأمل في الأنجاب خاصة في بعض الأوساط التي ينعدم فيها الوعي ولو أن الأمل في احتضان طفل قد يدفع المرأة كيفما لتغييب العقل والسقوط ضحية لمثل هاته الاعتقادات والممارسات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*