الرئيسية » مواقف وأراء » انقلابيو مصر يراهنون على الوقت بدل الضائع

انقلابيو مصر يراهنون على الوقت بدل الضائع

المصطفى سنكي

تساؤلات استنكارية:

1. هل ما زال من يدعي أن تدخل عسكر مصر في شخص الجنرال السيسي تصحيح لمسار للثورة، بل هو الثورة التي نسخت ثورة 25 يناير المزيفة؟ هل ما زال القول: إن العسكر حمَوْا أم الدنيا من انزلاق خطير اقتضى عزل الرئيس المنتخب باعتباره أخفَّ الضررين، على حد تقدير شيخ الأزهر؟


2. إذا سلمنا أن ما حدث يوم الأربعاء 03 يوليوز 2013: عزل الرئيس محمد مرسي وتعطيل دستور 2012 تصحيح لمسار الانتقال الديمقراطي، فهل نقبل به آلية يُحتكم إليها متى تدنّت أو تراجعت شعبية أي رئيس منتخب بعد ذلك؟ وإذا كان كذلك، يجب إضافة هذا ملحقا يذيل به دليل الديمقراطية، أم أن الإجراء يطبق حصريا إذا رجحت صناديق الاقتراع كفة الإسلاميين أعداء الديمقراطية التاريخيين؟


3. إذا كان معسكر الانقلابيين يملك رؤية مستقبلية تنقذ البلاد مما أوردها فيه حكم “الإخوان” من إخفاقات، فمن يمنعهم من تنزيل خارطتهم وتحويلها إلى منجزات ميدانية تكسبهم مشروعية حقيقية، وتُضعف بالمقابل شعبية أنصار الرئيس المعزول، وينفضّ المتعاطفون من الميادين بالتدريج، أو تظل الاعتصامات قائمة على محدودية جمهورها دليلا على احترام الرأي المخالف، وهو ما يصب في رصيد الانقلابيين السياسي؟ أم أن اقتناع الانقلابيين بزيف شعاراتهم وصعوبة تقديم بديل مقنع دفعهم لرفع شعار: “محاربة الإرهاب”، وبالتالي الرهان على افتعال القلاقل لتبرير عسكرة المجتمع؟


4. ما الهدف الذي من أجله تحركت واستُنْفِرت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية فجر يوم الأربعاء الدامي 14 غشت 2013؟ وما هي التعليمات التي أعطيت لهذه الأجهزة: فضُّ الاعتصامين بأعلى درجات ضبط النفس، أم إزهاق أكبر عدد من الأرواح بأقل ما يمكن من الرصاص والضجيج، وفي زمن قياسي؟ الجواب تكشفه الصور والفيديوهات التي تغني عن أي تعليق، وتجعل تصريحات المسؤولين الانقلابيين خارج الإطار.


هبْ أن ضحايا المجزرة أو عُشر عُشرهم يهود أو مسيحيون، ماذا كان سيقع؟ هل كانت ستكتفي الأطراف الدولية بالشجب والدعوة لضبط النفس؟ هل كان صبر الاتحاد الأوروبي سيتحمل هكذا صدمة ويبرمج على مهل جلسة للتأمل وتوحيد الموقف مما وقع من مجزرة بعد ثلاثة أيام؟ أم كان الغرب سيبادر لتحريك حاملات الطائرات ويدعو مجلس الأمن على عجل ليصادق على قرار تحت البند السابع، ليتم القصف قبل بزوغ فجر اليوم الموالي ويقطع العلاقات ويجمد الأرصدة ويحدد قائمة المتابعين جنائيا بتهمة مجرمي الحرب في المحكمة الدولية؟


5. في انتظار أن تنكشف حقيقة من كان وراء حرق الكنائس، وما حادثة تفجير كنيسة الإسكندرية في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك عنا ببعيدة، لماذا سارع الجنرال السيسي لإصلاح وترميم ما لحق بالكنائس من دمار من خزانة الجيش دغدغة لمشاعر الأقباط، ولم يلتفت إلى مسجد رابعة العدوية وبقية المساجد التي التهمتها نيران قصف عسكره؟ ولماذا تُصر السلطة الانقلابية على استعمال عبارة “حرق الكنائس ودور العبادة” وتفادي استعمال لفظ “المساجد”، أليست المساجد دور عبادة، أم أنها غدت متهمة كمن يرتادونها بالإرهاب؟


فـزاعة الإرهـاب:

مُسَلّمة غدت من باب “السماء فوقنا”، تلك التي تلجأ إليها الأنظمة الاستبدادية في الوقت بدل الضائع من حكمها، فتدعي أنها تواجه مخططا خارجيا بتحالف مع قوى متطرفة محلية للنيل من الاستقرار وسيادة البلاد. وعليه، فكل نظام أفلس سياسيا وانتفض عليه الشعب، فهو يخوض حربا مقدسة دفاعا عن أمن البلد وهيبته، ويغدو الشعب الثائر إرهابيا. وحيث إن الاستبداد لا يملك أدوات العنف ـ الأجهزة الأمنية والعسكر فقط ـ بل يملك الإعلام وطابورا من أدعياء التحليل الأكاديمي ووجوها فكرية وفنية تقتات من مائدته ومؤسسات دينية ورأس مال مستفيد من ريعه، يملأ الدنيا تزييفا وتضليلا محاولا صناعة رأي عام داخلي وخارجي مساند، ومن عارضه وخالف هواه فهو خائن تنكر لوطنه، أو حاقد طامع في خيرات وثروات البلد. وعليه، كل معارضة سياسية جادة في الأنظمة الاستبدادية هي مشروع إرهابي، بغض النظر عن مرجعيته.

من خِدْمات الانقلاب:

1. في الواقع، لقد أسدى لانقلابيون لمصر الثورة وشعبها خدمة جليلة. ذلك، أن بناء صرح نظام سياسي سليم لا يستقيم بلبنات وأدوات معطوبة فاقدة الصلاحية. تأملوا الوجوه التي تملأ الشاشات والمشهد السياسي تنافح عن الانقلاب وتتحدث عن هيبة الدولة وسيادة القانون واحترام المؤسسات، من تكون؟ ألوية متقاعدة متعاقدة مع النظام المباركي يتحدثون عن تطبيق القانون واسترجاع هيبة الدولة/الاستبداد. للدولة مقومات، أين هي؟ رئيس منتخب عُزل، ودستور مستفتى عنه شعبيا عُطل، ورئيس مؤقت عُين قبل أن يتم ترسيمه على رأس الهيئة التي تخوله صفة الرئيس المؤقت، وهيئة قضاء في شخص النيابة العامة لا سلطة لها، باسمها “اعتقل” ـ تجاوزا، وإلا فهو مختطف ـ الرئيس المنتخب، ولا تدري النيابة العامة مكان احتجازه، أُمِرت للتحقيق معه في تهمة دون مستندات. فعلى أية دولة يتحدث هؤلاء؟ هل هي دولة ما قبل الرئيس المنتخب؟ هل مصر الآن في مرحلة ثانية من حكم المجلس العسكري انسجاما مع ادعاء أن 30 يونيو 2013 هو الثورة الحقيقية؟


إن الجيش بتورطه في مستنقع السياسة وانحيازه لمكون شعبي ومعاداة آخر فقدَ صفة الشعبية، فالجيش/الأسد لم يتردد في أكل أبنائه، عكس ما أعلنه “سيسُه”. الجيش بعد 03 يوليوز 2013 لم يعد يحظى بنفس التقدير، وشعار “الجيش والشعب يد واحدة” سقط؛ وبذلك، ستنضاف المؤسسة العسكرية إلى بقية المؤسسات التي تتطلب تطهيرا وتقويما اجتثاثا لجراثيم الولاء لغير الشعب؛ ولعل هذا هو المطلب الأكثر ملحاحية بعد استعادة الشعب زمام المبادرة. فالرئيس المنتخب، إذا كانت له أخطاء، فأفدحها ـ في تقديري ـ أنه اشتغل بمؤسسات لا تدِين بالولاء للثورة والشعب، ومآل الرئيس محمد مرسي، سيكون مصير من اختير لإدارة شؤون بلاد في مرحلة انتقالية ورضي الاعتماد على أدوات نظام بائد، سواء كان برادعيا كان أو صبّاحيا أو فتوحيا.


لذلك، فقد أسدى الانقلابيون لثورة مصر وشعبها خدمة جليلة من حيث لا يدرون للتأسيس لبناء سليم يقطع العهد مع الاستبداد ومشتقاته، ويُطهر مؤسسات الدولة من أعداء الثورة، وتسند الأمور لمن تأكد ولاؤه للشعب وثورته، وأبلى في مختلف أطوارها البلاء الحسن، وبرهن عمليا بذلا وتضحية وتحملا أنه من بُناتها، فالعاقل لا يُلدغ من جحر واحد مرتين.


2. خدمة جليلة ثانية أسداها المخطط الانقلابي ككل لمصر الثورة، حيث أسهم في إنجاز اصطفاف على مستوى الأنظمة العربية خاصة، ذلك أن الغرب عموما نفعي وفيّ لنهجه البرغماتي تأمينا لمصالحه. أجل، لقد أسهم المخطط الانقلابي في فضح أنظمة عربية وانكشاف عدائها لحرية الشعوب، فهي ـ تحصينا لعروشها ـ لا تألو جُهدا ولا تذخر ثروات بالملايير لتمويل المخططات الانقلابية التفافا على إرادة الشعوب، وهي بهذا تُسهم من حيث لا تدري في رفع منسوب غضب شعوبها عليها وتآكل رصيدها السياسي المتآكل أصلا. اصطفاف على أساس نموذجين من المشاريع: نموذج تحرير الإرادة الشعبية وامتلاك القرار السياسي، ونموذج استمرار رهن الإرادة الشعبية ومقايضة العروش بكرامة الشعوب وقضاياها ومقدراتها.


وختاما، إن دخول أنظمة جوار راسخة في الاستبداد والهيمنة ومصادرة الحريات وإرادة الشعوب على خط الأزمة المصرية سيطيل فترة الاحتقان والمواجهة بين طرفي الأزمة، وسيرفع الكلفة البشرية لاسترجاع الشعب المصري زمام المبادرة، لكن ذلك يهدد بانتقال شرارة نيران المشهد المصري إلى دول لم تتردد في دعم الانقلاب وتمويله وحشد الدعاية له، فشعوبها لن تكتفي بالمتابعة والتأثر والتضامن العاطفي، فاللاعب بالنار، الساعي لحرق غيره، لا يدري متى اندلعت النيران في بيته، وبهذا ستجني على نفسها بَـراقِـشُ، كما يقول المثل العربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*