الرئيسية » مواقف وأراء » زمن الشتات العربي

زمن الشتات العربي

مصطفى أيتوعدي

لم يُكتَب للثورات العربية النجاح حتى الآن, فقد أصبح أمرها لا يطاق في بعض الدول التي اجتاحها ما سُمِّيَ بالربيع العربي و الذي أبان على أنه صيف عربي بحرِّه الشديد و شتاءٍ قُطبيٍّ ببرده القارس, حيث عمد الشعب إلى إزاحة رؤوس الفساد و أنظمته الديكتاتورية في كل من تونس و ليبيا و مصر و لازالوا يحاولون في سوريا, لكن الإشكال لازال قائما خاصة بعد الإنتخابات التي أفرزت أحزابا إسلامية في كل البلدان.

إن فوز حزب النهضة في تونس و كذلك المسلمين في ليبيا و الإخوان بمصر لم يرق العلمانيين و اللبراليين و الإشتراكيين و لم يرقهم ذلك الحشد الكبير من الشعب الذي أبى إلا أن يضع ثقته في المسلمين بشكل عام بغض النظر عن تكتلاتهم و طوائفهم, و ظل ذلك النجاح الساحق حجرا في حلقهم لا يسمح لهم بالتنفس كما تهواه نفوسهم و لا كيف شاءت شهواتهم, فقد طمس ذلك الحق خزعبلاتهم و أكاذيبهم التي لا تستند لمبدإ و لا تتحيز لقيمة إنسانية جليلة.

لقد كثُر خداع بني علمان للناس و ظهر مكرهم بالليل و النهار و اتضحت خطتهم للعيان التي تقضي بإنهاء المسلمين و الإجهاز عليهم أينما وُجدوا, فلم يدعهم حقدهم و ضغينتهم يخفون ما يُضمرون للإسلام و للمسلمين, و هذا ما نراه اليوم يقع أمامنا في مصر حيث ظهرت فجأة حركة تمرد لا تضم سوى بعض الأشخاص المعدودين على رؤوس الأصابع بالرغم من أنهم يزعمون أنهم جمعوا أزيد من 25 مليون توقيع يقضي بعزل الرئيس مرسي, و هي تطالب الرئيس الشرعي محمد مرسي بالتنحي عن كرسي الرئاسة و كأن تمرُّد هي من أوصلته إلى الرئاسة دون أن تراعي شعور ملايين المصريين الذين وضعوا ثقتهم بالإخوان المسلمين لضمان التسيير الأمثل للبلاد و إخراجها من مستنقع الأوحال الذي أوصلها إليه الرئيس المخلوع حسني مبارك, و لم يقف الصهاينة عند هذا الحد في إشعال فتيل الفتنة بين أفراد الشعب الواحد مستغلين رؤوس بني علمان لتنفيذ مخططاتهم اللعينة, بل تعدى الأمر ذلك إلى اقناع الفريق السيسي بالإنقلاب عسكريا على الشرعية و عزل الرئيس مرسي مع تلفيقه تهما جاهزة لا تصلح حتى لخداع الأطفال, الأمر الذي دفع بالسيسي إمهال الرئيس مرسي 48 ساعة قبل عزله.

و ما خطة الفريق السيسي إلا واحدة من خطط بني صهيون لتشتيت الشعب المصري, لأن مصر أضحت تشكل خطرا على إسرائيل خاصة بعد فوز الإخوان بالرئاسة الأمر الذي سيقوي من عضد حركة حماس و يسرع من زوال إسرائيل من على خريطة الأراضي الفلسطينية المحتلة, ثم إن تشديد عضد إسرائيل من طرف دول عربية كالإمارات العربية المتحدة و الكويت و السعودية و غيرها من الدول العربية المساندة للإنقلاب العسكري بمصر ما ذلك إلا محاولة لفرملة البرنامج الحكومي القوي الذي يسعى مرسي و الإخوان لتنزيله على أرض الواقع, و الذي يركز فيه على الأولويات و الضرورات الخمس, و هي أمور فشلت حكومات تلك الدول المناوئة للرئيس في تطبيقها حتى الآن, و هي تخاف من أن تثور عليها شعوبها إن استطاع الرئيس مرسي انجاز ما فشلت هي في تحقيقه, ما سيدفع شعوبها للثورة قصد اسقاطها و هو أمر لا ترجو حدوثه لذلك تعمد إلى إغلاق كل المنافذ التي قد توصلها إلى ذلك.

لقد جعل الصهاينة خطة التشتيت أهم خطة للسيطرة على الشعوب الأخرى و جعل الديانة اليهودية هي المهيمنة على باقي الديانات, كما حرصت على جعل القوى الشعبية مكافئة لقوى السلطان مع نشر هاجس الخوف من الآخر في كل جهة حتى يخاف السلطان من الشعب و يذعر الشعب من السلطان ما يمكنها من إمساك العصى من وسطها تقلب بها الموازين أنى شاءت و أينما أرادت.

فأما اتهام وزير الداخلية المصري الإخوان بالتوفر على السلاح فذلك اتهام كاذب و مردود عليه لأنهم ظلوا في مظاهرات برابعة العدوية مدة قبل مهاجمتهم من قبل قوى الجيش المصري الظالم و لم يخربوا شيئا و لا قتلوا أحدا و ما حرضوا على ذلك قط إنما وقفوا يطالبون بعودة الرئيس الشرعي إلى كرسي الرئاسة,

كما أن الدستور يكفل للمتظاهرين حق التظاهر السلمي و ليس من حق السيسي و لا غيره فض المتظاهرين و ثنيهم عن التعبير عن مطالبهم و حقوقهم, إنما يتم ذلك بالحوار الجاد لا بالعنف المفضي لسقوط مئات القتلى و الجرحى و احراقهم لتضليل الرأي العام بعدد الضحايا.

فإذا كان منطق السيسي هو تطبيق إرادة الشعب فلماذا يلبي إرادة صنف من الشعب دون آخر, و لماذا يمنح بني علمان مبتغاهم بعزل الرئيس مرسي و يقمع إرادة المسلمين المدافعين عن الشرعية؟ و لما لا يحقن دماء المصريين و يأمر بانتخابات عاجلة لينظر إرادة الشعب المصري أو يقوم باستفتاء شعبي لعودة الرئيس مرسي لمنصبه أو عزله بطريقة سلمية عوض سياسة العنف التي لن تقود البلاد سوى إلى الهاوية, مع اسقاط التهم السخيفة على الرئيس مرسي من قبيل التآمر مع حركة حماس.

لم يكن في الحسبان يوما أن يصدر قرار الإنقلاب العسكري من طرف الفريق السيسي خاصة و أن الرئيس مرسي هو من رقّاه إلى رتبة فريق, و لم يكن الرأي العام ليتنبأ يوما بمصير شعب عُرف عنه حبه الشديد و شغفه بوطنه و التشبث به في أحلك الظروف, لكن الربيع العربي كشف عن وجوه طالما اختبأت وراء أقنعة مزيفة, و ظهرت بصورتها الحقيقية لتبرهن أن في مصر قوى شرّيرة غرضها الوحيد تمزيق الإلتحام الشعبي و الإتحاد الطائفي بغض النظر عن الإيديولوجيات المختلفة و التوجهات المتباينة.

لقد أبان السيسي عن ضعفه في حلحلة الإشكال و عدم قدرته على التعامل العقلاني مع مجريات الأحداث, عندما سارع إلى مد يده متوددا إلى إسرائيل عبر تطبيق رغباتها في إجلاء الإخوان المسلمين من على كرسي السلطة, و محاولة إضعاف الشعب المصري بكسر إلتحامه و تماسكه, عبر أبواق بني علمان الذين سمحوا للشتات الإسرائيلي أن ينسلّ إلى داخل الدولة قصد تكوين قاعدة داخلية تمسح فيها إسرائيل يديها من دماء الأبرياء ليظل الصراع الداخلي قائما عوض الإنكباب على القضايا الرئيسة للأمة و صرف عقول الشباب عنها, و كل ذلك في سبيل إفشال الحكومات الإسلامية بشكل عام و ثنيها عن مساعيها في النهضة و اللحاق بالركب الحضاري.

لم يكن الغرض من عزل الرئيس مرسي تحقيقا لإرادةٍ شعبية كما يزعم السيسي و لا كان حبا في إنقاذ البلاد بقدر ما كان تواطؤا مع قوى الخارج من أجل تشتيت الشعب المصري حتى تنام إسرائيل مغمضة العينين من جهة مصر, و هو ما حصل فعلا فقد استأنفت مفاوضاتها مع القيادة الفلسطينية, في هدوء تام مع صرف التوجه العربي و الإسلامي نحو المجازر التي يقوم بها جنود السيسي بغير حق.

إن الأمر الذي يجهله كل علماني و يجهله غير المسلمين هو أن اللجوء إلى العنف مع المسلمين لن يزيد المعتدي إلا خسارا, خاصة و أن المسلم المتشبع بالحياة الأخرى و المقبل على ربه يتمنى الشهادة عوض العيش في الذل و توريثه للأحفاد, و يحرص على الآخرة أكثر من الدنيا, و ليعلم السيسي و غيره ممن شمروا سواعدهم لإرهاب المسلمين في ديارهم أنهم ارتكبوا غلطة كبيرة عندما أطلقوا أول رصاصة و سقط بها أول شهيد ظلما و عدوانا أن ذلك, إنما كان بداية لثورة شعبية إسلامية بمصر لن تنتهي إلا بإحقاق الحق أو الموت دونه.

لا تعليقات

  1. خديجة اكوجيل

    أيّها الفلول والعسكروالعلمانية
    إن كانت الحشود هي الشّرعية
    والميادين مكيال الديموقراطية
    وميدان التحرير والاتحادية
    تمثّل الرّبوع الشّاسعة المصرية
    فما بال حشود رابعة العدوية
    وأقاصي المحافظات المصرية
    إن كان الشّعب معكم بالأغلبية
    فممّ تخشون يا أعداء الديموقراطية؟
    لماّ حجبتم القنوات الدينية
    وسجنتم القيادات الاسلامية
    وكممتم أفواه الصحافة الأبية
    ولفّقتم التّهم الوهمية
    لكلّ من شهد بحق الشرعية
    ونبحتم في القنوات العلمانية
    على الاخوان والتيارات الاسلامية
    وجمّدتم الأرصدة البنكية
    وقتلتم بالرّصاص والبلطجية
    أحرار المظاهرات السّلمية
    وصيّرتم ميادين الشرعية
    مجازرا للأضاحي الإخوانية
    فلو صدقت دعواكم يابلطجية
    ما جنيتم هذه الجرائم الوحشية
    أيّ وزن لكم في الحياة السياسية
    غير ضجيج القنوات الاعلامية
    وقد نزلتم الى الانتخبات الشرعية
    ولفظتكم الصّناديق الشعبية
    واختارات من وصفتم بالارهابية
    فامتطيت الدبابة العسكرية
    وسكبت الدّماء المصرية
    وتأبطّت الدولارات الوهّابية
    ولطالما وصفتها بفكر الظلامية
    فحالفت الفلول وعملاء العسكرية
    وسقطت كل مبادئك الوهمية
    فعجبت للفيظة الصناديق الشعبية
    كيف تسعى لتقرير مصير الاغلبية
    ووأد الاسلام من السياسة المصرية
    فرعونة على الدبابة العسكرية
    وطفل طردته الصناديق الشرعية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*