الرئيسية » مواقف وأراء » توقعـــات المستقــبل

توقعـــات المستقــبل

لقد انتهى الصراع بين المنظومتين الاشتراكية والرأسمالية باستسلام المنظومة الأولى، والاعتراف بعجزها عن مسايرة التطور العلمي والتقني والاقتصادي للبلدان الرأسمالية. وكان ذلك إيذانا بتفكك الكتلة الشرقية، ونهاية الحرب الباردة، بكل إفرازاتها الإيديولوجية والسياسية والعسكرية .

وبداية مرحلة جديدة من سماتها الأساسية هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم وبروز مفهوم الأحادية القطبية ، ولتفسير هذا التحول ظهرت أطروحات سياسية وأكاديمية لرسم ملامح العالم القادم .

اعتبر ” فوكوياما ” أن ما وقع ليس مجرد نهاية لفترة الحرب الباردة ، وإنما نقطة النهاية لتطور البشرية الإيديولوجي ، وانتشار الديمقراطية الغربية في العالم، باعتبارها الشكل النهائي للحكم البشري، وأنها تمثل نهاية التاريخ .

إن فكرة ” فوكوياما ” عن نهاية التاريخ تبدو بسيطة إلى حد السداجة، فالديمقراطية الغربية الحرة إنتصرت وانتصر الغرب معها. ولن يعود الآن أمام الامريكيين والاوربيين ما ينتظرونه من جديد ، لقد حدث هذا الجديد بإنهيار الماركسية وتفكك الاتحاد السوفياتي . واعتماد الديكتاتوريات السابقة، واغلب دول اوربا الشرقية للنظام الحر . وحسب ” فوكوياما ” فهناك توافق مدهش في السنوات الأخيرة يتعلق بالديمقراطية كنظام حكم. فالديمقراطية الليبرالية بإمكانها ان تشكل منتهى التطور الايديلوجي للانسانية ، والشكل النهائي لأي حكم إنساني ، أي انها من هذه الزاوية نهاية التاريخ . وحسب ” فوكوياما ” فإن المظالم والمشاكل الاجتماعية الخطيرة تنجم عن التطبيق غير الكامل لمبدأي الحرية والمساواة ، اللذين هما الركيزتان لأية ديمقراطية حديثة .واعتبر “صامويل هتنتغتون ” أن ما وقع هو بمثابة تحول في طبيعة الصراع الدولي وتغير أطرافه من صراع بين ايديلوجيتين اشتراكية سوفياتة ” شرقية ” وليبرالية امريكية ” غربية ” إلى صراع حضاري ،أطرافه الأساسية الدول الغربية المسيحية في مواجهة الدول العربية الإسلامية . ففي هذا العالم الجديد فإن النزاعات الأكثر اتساعا والأكثر أهمية والأكثر خطورة سوف لن تكون بين الطبقات الاجتماعية، ولا بين الأغنياء والفقراء ،ولا بين مجموعات محددة تبعا لمعايير إقتصادية .وإنما ستكون بين شعوب تنتمي لكيانات ثقافية مختلفة .خاصة بعد تصاعد قوة الحضارات الإسلامية والكنفوشوسية ،اللتان تحاولان جاهدة توسيع قوتهما لمقاومة الغرب وإيجاد توازن معه . وحسب ” هتنتغتون ” فإن نهاية الحرب العالمية الثانية تلتها الحرب الباردة، أي منافسة تضم نظامين اقتصاديين وسياسيين وايديولوجيين وليس حضارتين . لذا فإن هذه الحالة من الصراع سوف لن تستمر إلى الأبد. لأنه من الواضح ان العامل الثقافي سيكون حاتما في السنوات المقبلة ، فلأول مرة في التاريخ أصبحنا نعيش في عالم متعدد الأقطاب ، حيث القوى الأساسية تنتمي إلى حضارات مختلفة وهذا ما غير الأشياء .

إن النزاعات القادمة ستكون إذن بين حضارات ذات قيم متعارضة، وسيلعب الدين فيها دورا أساسيا .

” هتنتغتون ” وعلى عكس ” فوكوياما “لا يرى نهاية للتاريخ في المستقبل القريب بل على العكس من ذلك فالتاريخ سيكون أكثر حركية في العقود القادمة. وذلك بسبب إستبدال البنية القديمة للحرب الباردة ( معسكرين ودول عدم الانحياز ) بنظام أكثر تعقيدا وغير مستقر في نفس الوقت. حيث ستتصارع ثمان حضارات : الغربية ، الأمريكية الثلاثينية ، الإسلامية ، الصنية ، الهندوسية ، السلافية الاورتدوكسية ، و اليابانية وربما حتى الإفريقية . فالمنافسة بين القوى الكبرى ،حل محلها صراع الحضارات. والنزاعات الأكثر خطورة هي تلك التي تحدث على طول خطوط التماس بين الحضارات .

في الحقيقة يمكننا التحدث عن مخاطر حقيقية ناجمة عن الديمقراطية الغربية ، حيث سنجد في امريكا مثلا نوع من الإباحية المطلقة ، كل شيء مباح ومسموح به ( الاستنساخ مثلا ) . وبالتالي ستتعارض مصالح الأفراد ، وسوف يوجد هناك قدر كبير من الأنانية بينهم مما يؤدي إلى انشطار في المجتمع . انه عالم يعيش حيث حسب” بريجنسكي” حالة غليان. فأمريكا مثلا تجد نفسها مضطرة الى التدخل المباشر، لحماية إقتصادها ومصالحها ونفطها وصناعتها في أي منطقة في العالم ولو بالقوة.في ظل ديمقراطية تبقى مجرد شعار في حقل العلاقات الدولية ، وأن كل حضارة عندما تصل إلى أوجها فإنها تتجه بشكل طبيعي الى تقديم قيمها كما لو أنهاقيم الإنسانية بأجمعها . وهذا ما سعت اليه روما القديمة وبريطانيا الاستعمارية .

إن كل هذه النظريات تبقى غير قادرة على تقديم قراءة شاملة وجامعة للعلاقات الدولية، وتفسير تعقيداتها . ويبقى أن كل واحدة منها تعمل على توضيح بعض المظاهر التي تكون مهيمنة في الوقت الذي تتم فيه صياغة هذه النظرية ، فكل نظرية أو مذهب هي انعكاس لمرحلة في العلاقات الدولية .

وترتكز هذه النظريات إما بشكل واضح أو ضمني على فلسفات التاريخ ،وعلى نظريات العلاقات الاجتماعية، والمفاهيم الايديولوجية المختلفة .

فالطرح “”اللينيني ” التقليدي قد شغل مكانة مهيمنة في العالم الاشتراكي ، ورغم ذلك فإن فئة قليلة من الناس لازالت تتبنى حاليا هذه النظرية .

أما طرح “هتنتغتون ” وفوكوياما ” فإنه ينظر إليه كطرح بديل للنموذج التقليدي، الذي يقدم العلاقات الدولية كاستمرار لمصالح الدولة . والاختلاف الأساسي الذي يميز الطرحين يتمثل في أن طرح ” هنتنتغتون” يركز بإدخاله للمصالح الخاصة على دور المعتقدات الروحية وعلى التراث الثقافي . فما يهم الناس بالنسبة له ليس الإيديولوجية السياسية أو المصالح الاقتصادية انها العقيدة والاسرة ، الدم و الإيمان ، التي تميز الناس ويناضلون ويموتون من اجلها .

لهذا فان صدام الحضارات هو بصدد الحلول محل الحرب الباردة كإشكالية مركزية في العلاقات الدولية ، ويشكل نقطة البداية لفهم التغيرات في العالم .

في حين أن” فوكوياما لا يزال يردد اننا لازلنا نعيش نهاية التاريخ. لأن نظاما واحدا فقط هو الذي سيستمر في الهيمنة عن السياسة العالمية، وأعني بالقول النظام الغربي الديمقراطي الليبرالي .وهذا لا يعني أن النزاعات ستختفي وستندثر الخصائص الثقافية التي تميز المجتمعات. بل إن الصراع المرتقب لن يتمثل في مواجهة بين مجموعة من الثقافات المتكافئة ، كما كان عليه الشأن بين القوى العظمى في القرن 19. وإنما سيتمثل في ظهور أعمال رجعية ،تقوم بها مجتمعات تهدد الحداثة استمرار نظامها التقليدي . ويكون رد الفعل بحجم التهديد الذي ستتلقاه هذه المجتمعات ، لكن الزمن والوسائل يلعبان لصالح الحداثة .

الأستاذ : سعيد ايت ارحو

متخصص في علم السياسة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*